المحرّضات التاريخيَّة لانتفاضة تشرين

الأربعاء 04 كانون أول 2019 274

المحرّضات التاريخيَّة لانتفاضة تشرين
رزاق عداي 
 
شاع في الوهلة الاولى، عند البعض، توصيف جيل شباب تشرين 2019 في العراق، بأنه يافع ومندفع، كما انه بمستويات عمرية، غير مؤهلة، على ضبط شعاراته واهدافه، بصورة واضحة. ولكن الايام اللاحقة للتظاهرات وما ابدته من مطاولة صلبة، اثبتت عكس هذا التصور، بأنّ جيل الشبيبة هذا يملك من الاصرار والثبات الكثير، ويتوق الى تحقيق ذاته، وهو مساق بقوة يؤجّجها جوع و حرمان وعوز.ولكن الاهم في هذا الجيل هو انه مثقل بعقد تاريخية تتقاطع في لا شعور جمعي، تناولها من اجيال سابقة، تفجّرت عندهم، وتبدّت ملموسة عبر خطاباتهم وشعاراتهم المختزلة منذ الساعات الاولى للتظاهرات، من مثل (نازل اخذ حقي ) او (اريد وطن). والحقيقة أنّ هذه التراكمات العقدية (نسبة الى عقدة) هي بالاصل تفاعلات ظلت تترابط واحداث تتلاحق مقترنة مع لحظة تاريخية استثنائية في عام 2003 تحديدا بكل ما تحمله من ثقالة في تاريخ العراق الحديث، صادف هذا التاريخ او قبله بسنوات قليلة ولادة هذا  الجيل، الذي كان عليه ان ينفجر كالبركان، لتلحق به ارتدادته من اجيال سابقة. 
إنّ انطلاق هذه الحركة الاحتجاجية كان يستمد مشروعيته من واقع تاريخي اجتماعي، وهو تمخض، لم تتمكن اجيال سابقة ان تتحمل ارادة تفعيله لاسباب موضوعية ستوضح لاحقا، لكن وعندما بلغ العبء ثقيلا كان لا بدَّ من الوقوف على الحد ما بين الحياة او دونها.
إنّ الذي أجّج الانتفاضات وزاد من أوارها منذ 2008 ولغاية اليوم هو الحكومات المتعاقبة، والحكومة الاخيرة حصرا، اذ تعاملت معها بمنطق متعال، ولم تتنازل قليلا للتفاهم معها لفهم محركاتها ومطالبها، فلم تحاول هذه السلطة ولو قليلا ما يدور في اذهان هذا الجيل، بل لم تكن لتعرف ظروف هذا الجيل، حتى لم تنتبه الى بنيته الشبابية بديناميكيتها، فولجت الحل الامني الذي ادى الى ما هي فيه من مأزق كبير.كان على الحكومات ان تتنبّه قبل حدوث الانتفاض الى ظواهر باتت تتفشى في اوساط الشباب، يمكن الاشارة الى اثنين منها كانا يلمحان الى واقع الخيبة والمرارة واليأس الذي يخوضه الشباب.
- ظاهرة الانتحار التي سجلت ارقاما مخيفة في السنوات الاخيرة بين اعمار شبيبة تتراوح بعد سن 16 سنة او اكثر قليلا، وتداول ايديولوجيا  الالحاد بين اوساط بعض الشباب كما لمحت بعض مراكز البحث الاجتماعي، الاداء الحكومي الفكري والاجرائي هو المسؤول الاول عن شيوع وتفشي هذه الظواهر التراجيدية والكثير غيرها، الحكومات الفاشلة تحت مظلّة دولة هي الاخرى، لا تقل فشلا، راحت تستظل  بأغطية مقدسة، هي بعيدة عنها، مكتفية بالشعارات والاماني الكاذبة، لم تنتج سوى خيبات مستمرة، وفساد كبير، وتدهور مجتمعي خطير، اما النزوع باتجاه الالحاد، فهو إثم من آثام السلطة التي تمظهرت بتسطيح الدين، وانهمكت باطماعها، مشيعة طابعا من الطقوس الحزينة والاحتفالات السوداء، ولم تعط للحياة الحقة فرصتها، وما يريد الشباب، ولما تأمل الشباب من هذا الجيل، حياته، لم يجد شيئا يقتنع به من خطاب السلطة فاستبدَّ به الظن ان كل القواعد التي علموه إيّاها لم تكن سوى كذب محض، فانتهى البعض من الشباب الى الإلحاد كردِّ فعل مضاد، ربما كشكل من أشكال التمرّد الفردي. اما العقد التاريخية التي اندست فاعلة في اللاشعور الجمعي العراقي، فهي سياسية -اجتماعية، لخصها بعض دارسي علم الاجتماع السياسي من العراقيين، انها عقدة 9 نيسان 2003، تلك اللحظة التي توثق العجز في الارادة العراقية امام الاستبداد، الذي لم يسقط بأيدٍ عراقية، انما على يد قوة عسكرية اجنبية، وبعدها بثماني سنوات، تساقطت انظمة الاستبداد المزمنة، في اكثر من دولة عربية، بيد شعوبها، ليقصى العراق من نادي الثورات العربية، ويخرج ضحاياه ومستبدوه من دائرة الضوء، وكأنّه لم ينتفض مرات ومرات، على الاستبداد، ولم يدفع حاله حال الشعوب العربية او يزيد، مئات الضحايا في هذا السبيل.
لم يتفهم المحيط الاقليمي بالعراق، تعقيد لحظة 2003، باعتبار انها سابقة دولية حتمتها استقطابات دولية، ربما كان ابرز تبدياتها، تفكك قطب دولي كبير، هو الاتحاد السوفيتي السابق، وحلول نظام دولي جديد تهيمن عليه اميركا، كان العراق في ظل هذه التغيرات الدولية قد جرى احتسابها، وكان حاضرا بنظامه السابق بتهوراته، فكانت خطة احتلاله من ضمن اجندات اميركية لتكريس النظام الدولي الجديد، اذ اختير العراق كعينة لتطبيق واختبار نظرية الفوضى الخلاقة.
إنّ فهم احتلال العراق في نيسان 2003 من قبل الدول الاقليمية المحيطة، برمته، بصفته طرفا واحدا من المعادلة، دون الاخذ بعين الاعتبار، ان هذا الاحتلال، اسقط في ذات الوقت نظاما استبداديا، قتل العشرات من العراقيين، وخاض حروبا طويلة مع دول اقليمية.
النظام الذي أعقب الاحتلال شهد مسارا انتقاليا، متعثرا، وخضع لعوامل ومواصفات مشابهة الى ما كان شائعا للانظمة التي اسقطها ما يسمى بالربيع العربي، فالمسار الانتقالي تحول الى فئوي، طائفي، رسمه الاحتلال دون دراية بواقع العراق الفعلي، وبتصور مقحم، كان يفهم ان العراق بصفته تجمّعا للهويات الاثنية، والطائفية 
المتصارعة.إنّ انتفاضة تشرين، هي فعل معاكس ومضاد لكل تداعيات مابعد 2003، فالانسحاب الاميركي في 2011 لم يكن انتصارا للارادة العراقية، ربما لانّ بديله كان طائفيا، كقاعدة للحكم، وبديله كراهية مجتمعية، وبديله ايضا الحاقا للبلاد بمحاور اقليمية.