التفكير خارج الصندوق

الأربعاء 04 كانون أول 2019 339

  التفكير خارج الصندوق
حمزة مصطفى
 
لم تزل الطبقة السياسيّة برلمانا وحكومة تعيش صدمة الاحتجاجات. 
لماذا؟ لأنّها وبعد مضي أكثر من شهرين على التظاهرات لاتزال تفكّر "داخل  الصندوق".
جوهر التظاهرات أو الاحتجاجات أو الانتفاضة هي  رفض العملية السياسية التي سلكت طريق المحاصصة.
هذا لايعني رفض النظام السياسي بالضرورة.
بمعنى أنّ الاحتجاجات لاتريد قلب النظام السياسي من جمهوري الى ملكي مثلاً أو من ديمقراطي الى دكتاتوري.
بل هناك دعوات تنطلق من ساحات التظاهر بتحويل النظام من برلماني الى رئاسي، وهو مايعني الإيمان بأسس النظام الديمقراطي الذي تأسس بعد عام 2003.
الخلاف إذن لا على جوهر النظام بل على القائمين على النظام أحزابا وكتلا وحتى شخصيات وعلى آليات تأسيس هذا النظام.
لذلك كان هناك ولايزال اتفاق بين غالبية النخب الفكريّة والسياسية أنّ هذا النظام يعاني من عيوب تأسيسية. وطالما تم تشخيص هذه العيوب وحتى اقتراح الحلول لها كلّما بلغنا مرحلة من مراحل الانسداد السياسي. هذا الانسداد كثيرا مايتمثل في الخلافات بين الأطراف السياسية سواء على صعيد طريقة التعامل مع قضايا كلية مثل الإرهاب، أو النظام الاتحادي وتعبيره الأشمل الفيدرالية التي تحولت فيما بعد الى إشكالية، بدءاً من العلاقة بين أربيل وبغداد أو  حتى على صعيد المحافظات الأخرى التي إرتأت أن تتحول الى الفيدرالية الإدارية. أيضا كانت ولاتزال هناك خلافات عميقة حول الدستور نفسه سواء إن كان على مستوى المواد التي تتعلق بتعديل الدستور مثل المادة 142 أو المادة 126 أو  مايتعلق بمفهوم المناطق المتنازع عليها بموجب المادة 140 وصولا الى المادة التي تتعلق بكيفية تشكيل الحكومة وهي المادة 76 التي تتعلق بالكتلة الأكبر. وبرغم أن الجميع يعرف أن هذه القضايا ليست سهلة ولايمكن تخطيها لكن بسبب غياب الإرادة السياسية فإنّ الحلول إمّا تتأخّر أو تكون مجرد حلول ترقيعية. وطوال السنوات العشر الماضية وبالذات منذ عام 2011 والى عام 2018 كانت العملية السياسية تواجه تظاهرات جماهيرية كبرى تنادي بالإصلاح. غير أنّ الذي حصل منذ الأول من تشرين قلب المعادلة تماما. ولأنّ المشهد غير مألوف فلم يكن هناك تعامل ناجح على صعيد إدارة الأزمة، ناهيك عن أن الكتل والأحزاب والقوى السياسية لم تكن تتصور أنّها يمكن أن تواجه رفضا جماهيريا على هذا المستوى من الوضوح والجرأة والإتساع والشمولية والجذرية. لذلك بدت المعادلة شديدة التعقيد ويصعب الوصول الى مقتربات لإيجاد حلول أو قواسم مشتركة لها. فالرفض الجماهيري جذري لعموم الطبقة السياسية وسقوف المطالب مرتفعة جدا. ولأنّ الطبقة السياسية بنت تحالفاتها وأوضاعها ضمن سياقات معينة طوال الستة عشر عاما الماضية فإنّها بقيت تقترح الحلول للأزمة لم ترتقِ الى مستواها والى ماترتّب عليها من تضحيات جسيمة.
السبب المباشر الذي يقف خلف ذلك أن الطبقة السياسية العراقية لاتزال تفكر داخل الصندوق بينما الشارع يسبقها بمسافات بدت تزداد اتساعا كل يوم وعبر رهان متقابل على الزمن بين الطرفين. لكن المحصلة أن التظاهرات تنتزع تنازلات من الطبقة السياسية دون أن تحصل الطبقة السياسية على شيء يقابلها سوى .. فائض الوقت.