وطنية الثقافة وثقافة الوطن

الأحد 08 كانون أول 2019 358

وطنية الثقافة وثقافة الوطن
حسين السلمان
 
 
قد تبدو تساؤلاتي ذاتية الوجود منغلقة عن واقعها وخارجة عن نطاق احتمالات الكون. وقد تكون أضغاث أحلام تسربلت لوعي نائم في صحراء الإنسانية. فإذا كان هكذا الفهم العام والسائد الذي كثيرا ما يؤكد أنّ الإنسان يعدّ الأهم في هذا الوجود، فإنّ فكر ذلك الأهم هو الذي يحدد مساره
لذا يعلو شأن الإنسان بارتباطه الحق مع مكونات وعوامل تواجده التي هي بدورها التفاعلي تصنع منه كائنا حيا قادرا على إنشاء منظومة العلاقات المتبادلة مع الكائنات الأخرى وصولا إلى بناء وحدة إنسانية متكاملة فيها صفات الوجود، إذن لا تتجلى قيمة أي فعل إنساني ما لم يبرر فاعليته أمام التجربة الإنسانية.
هذا الذي قيل يخص الثقافة العراقية وعلاقة صانعيها بها ضمن منظورات وتمظهرات عديدة أهمها وطنية الثقافة وثقافة الوطن. فبقدر تصادم الأمر مع المثقف ككائن اجتماعي، بقدر ما تكون معادلة التصادم متطابقة بتصادم الثقافة مع المثقف. لكن من يبدأ التصادم؟ ولماذا هذا الفعل العنيف الذي ندعو إليه؟ فهل هو الذي يحرّك السكون ويبدد الظلام؟، إذن متى يجب أن يتدفق، بل أين يتفجّر التصادم؟ وما هي نتائجه؟ والى أي طريق تقود تلك التأويلات التي لا بدّ للثقافة العراقية أن تثيرها بعد ما طرأ من تغيرات في البناء الفوقي للمجتمع، وما حدث من هزات فاعلة في باطن الأرض الاجتماعية والسياسية...
 
زمن الروح
يبدو أن الذي نحن فيه الآن هو الزمن الذي انتظرته الثقافة العراقية كي تشق طريقها إليه، فنحن بحاجة لان نذهب إلى الزمن لا أن ننتظر الزمن يأتينا، لأننا نحن نصنع الزمن، فهو زمن الروح إذا تجلّت، وزمن الظنون إذا اكتسبت الجنون وزمن الحرية التي نعيش على حافاتها.
من مسلّمات الزمن ضرورة تجديد شباب الروح الثقافية لذات المثقف متجليا في العطاء الإبداعي. ألا نرى أن هذا يضعنا حقا في إشكالية كبرى وهي إشكالية الذات الثقافية التي لا نراها، كما لا نجدها، في حاجات الحياة الاجتماعية، لذا يصبح استنطاق التنقيب والحفر بحثا مضنيا عن مكونات البواعث الإنسانية الحاجة الأكثر أهمية للوصول إلى معرفة الذات.. ذات المثقف، الذات الاجتماعية والسياسية، لأنّها هي التي تشترط علينا أن نحيطها بعنايتنا وحراستنا كي لا يتسلل لها الهلاك، لان أسمى ما يملكه المثقف هو وعي جوهره.
 
زمن الحريّة
إذن كيف نفهم وعي الجوهر، بمعنى كي نفكر، كي ننتج، كي نتفاعل مع عناصر محرّكات التاريخ والزمن، الزمن هنا هو الأهم، لأنّه مشكلة آنية، راهنة تلاحق وكما تلازم الفكر بشكل لا يمكن الفصل بينهما، ولهذا فعلى زمن الحرية أن يكون أولا مبادئا، قيما تأخذ ميثاقها من ترابطها مع الحرية الواقعية المتوفرة في الحياة العامة ومن الحرية السياسية التي يحب أن تنتزع كي تتجلى الذات كعام وكجوهري وليس ذاتا لذاتها، هذا الحال ينطبق مع الدين ومع الفلسفة لكي نهرب من بناء الشيء في ذاته الذي لم يعد صالحا إلّا لتجريد التاريخ، ربما هذا ينتج لنا أفقا آخر لمبدأ جديد هو(أنّ كلّ الأشياء في نفسها متناقضة).
 
شحنات الهويّة
إنّ في هذا قوة سحريّة تدفعنا إلى طرح أسئلة كثيرة: هل علينا أن نحارب هويتنا لخلق ما يناقض مع مبادئ تلك القضية؟ هل فرض علينا أن نجرد الوطن من هويته كي نصل إلى جعل كلّ الأشياء متناقضة من دون وجود لشيئين متماثلين؟، هل نحن بحاجة للعودة إلى زمن الميتافيزيقيا بتلك الصورة المذهلة التي يحتفظ التاريخ بها حيث يطلب من السيدات أن يبحثن بين أوراق شجرة عن اثنين تكونان متماثلتين؟.
 
أنموذج كبير
هنا أتوقف عن الاستطراد لأضع ذات مثقفة كأنموذج لهذا الذي أدعو إليه.. انه جيمس جويس بكل جنونه وهلوسته وتشرّده حيث عاش حياته منفيا ولم يحاول مرة واحدة أن يتخلى عن منفاه الذي اختاره لنفسه ولم يكف أبدا عن الكتابة عن هذا المنفى، مدافعا أو مهاجما من تسببوا فيه. خرج جويس من ايرلندا حينما اكتشف انه لن يستطيع أن يحصل على المعرفة والحرية اللتين يريدهما في وطنه، وحينما اكتشف أن وطنه قد فقد حريته مرة أخرى، بعد أن تحرر من السيطرة البريطانية، حينها اختار أن يستسلم للتطور التلقائي الذي يدفعه إليه مجرد مرور الزمن والمؤثرات الداخلية والخارجية التي تفرضها الظروف. بهذا كان جويس أول تجسيد للمثقف الغربي الذي فقد اهتمامه بعالم الناس الواقعي، ومضى يحلق في عالم الأخلاق والأساطير والتحليل النفسي لكي يحقق لنفسه وللعالم الذي يخلقه في كتاباته التوازن الذي فقده في علاقاته بالمجتمع. وكان جويس أول اكتشاف لاغتراب المثقف الغربي الذي طرد إلى ما وراء القيم الاجتماعية السائدة.
بقيَ شيءٌ آخر، هل يمكن للمثقف العراقي أن يحدث انعطافة  تصادميّة تتيح له ولنتاجه القدرة على التفاعل مع محيطه السياسي والاجتماعي المتغيّر، بصيغة أخرى، هل هو قادر على إحداث حركة ثقافية تكشف حقائق المعوقات الأساس للثقافة العراقية ... بمعنى هل هو حقا ثائر من نوع خاص.. و هل هو......