ازدواجية الدول الكبرى

الجمعة 13 كانون أول 2019 311

ازدواجية الدول الكبرى
ميادة سفر
 
تتعددُ الأساليب والطرق التي تنتهجها الدول في تعاملاتها الدولية لتحقيق أهداف وغايات محددة، تفضي جميعها إلى تحقيق مصالحها وتضمن لها استمرار السيطرة والتحكم بدولة ما أو حتى مجموعة دول، من بين تلك الأساليب ما يعرف بسياسة "الكيل بمكيالين" أو "ازدواجية المعايير".
 
من المتعارف عليه أن تقوم العلاقات الدولية على أساس العدالة والاحترام المتبادل بين الدول في السيادة والاستقلال وعدم التدخل في شؤون بعضها البعض، إلا أنّ الملاحظ لما يجري في عالم اليوم يدرك أن تلك العلاقات بعيدة كل البعد 
عن احترام السيادة وإعطاء الدول حرية ممارسة سياساتها وإدارة شؤونها بنفسها، بل يقوم النظام العالمي اليوم على سيطرة المصالح وازدواجية المعايير، وممارسة الانتقائية في التعاملات بين الدول، من خلال الالتفاف على القوانين الدولية 
أو تعطيلها.
هذا الأسلوب القديم الحديث يشكل قاعدة من قواعد العمل السياسي لكنه ينحصر بالدول الكبرى أو العظمى التي تمتلك الاقتصاد الأقوى والترسانة العسكرية الأكبر، هذا المبدأ السياسي ينافي مبدأ العدالة الذي نصت عليه القوانين والأعراف الدولية، وهو يعني أن تنحاز دولة إلى دولة أخرى بغض النظر 
عن ممارساتها وسياستها على المستوى الدولي.
هذا الأسلوب في العلاقات الدولية لم يتح أي فرصة ولم يوفر حداً أدنى من الهدوء والسلام والعيش بأمان، بل تعددت الحروب وارتفع منسوب القتل والتدمير في غير بلد عربي وشرق أوسطي، وطالت عدداً من دول أميركا اللاتينية التي سلكت سبيلاً لا ينسجم مع توجهات دولة ما، فكان أن عانت من حصار اقتصادي وتجويع وفوضى وانقلابات عسكرية وغيرها.
إن الدول الكبرى تعمل على معاقبة الدول الطموحة التي تحاول إيجاد موطئ قدم لها على الساحة الدولية أو حتى الإقليمية، والتخلص من التبعية والولاء لمعسكر من المعسكرات الخارجية، فيتم اختلاق المبررات والحجج لفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية، لتمنعها من تحقيق أي مكاسب أو الظهور كقوة على الساحة العالمية، من خلال إلهائها بأزمات داخلية مع مواطنيها، أو إحداث أزمات مع دول الجوار، وفي الوقت نفسه تقدم مساعدات للدول الضعيفة التي تعاني  أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، تحت مسمى حقوق الإنسان وغيرها من ادعاءات تخفي خلفها أهدافا ومصالح، وفي الحالتين هي تعمل على ترسيخ هيمنتها واستمرار 
سيطرتها.
في ظل تلك السياسة التي تتبعها الدول الكبرى، بانحيازها للمعتدي ضد المعتدى عليه، لا لشيء إلا لأن مصلحتها تتفق من هذا الطرف أو ذاك، لن يؤدي هذا الأسلوب إلا إلى انعدام العدالة وانتشار الفوضى وتوالي الحروب، وفي هذا فائدة لتلك الدول التي تعد المصنّع الوحيد للأسلحة، فتنافس الدول الكبرى على تصنيع وتطوير أسلحتها يحتم عليها إيجاد أسواق لتصريف تلك المنتجات وتجربتها، فتشعل الحروب وتأجج المشاكل، ولنا في شرقنا الأوسط خير دليل على ذلك، وما المواقف التي تبنتها الدول الكبرى مما عرف بـ "الربيع العربي" إلا سياسة مدروسة ومخطط لها عادت عليها بالفائدة، قسمت مناطق نفوذها وعززت تواجدها
اليوم تكاد تكون سياسة الكيل بمكيالين أو ازدواجية المعايير السمة الأبرز في النظام العالمي بكل ما يتضمنه أو يدور في فلكه من دول وأحزاب وحتى جماعات، مسببة بانهيار دول وأنظمة وتشريد
 وتجويع ملايين البشر، الأمر الذي يدعو للتساؤل إلى متى ستبقى الدول والحكومات خاضعة لدولة ومستسلمة لأخرى، إلى متى تصادر مواردنا وتقدم للآخر عربون خوف ورعب من رفع
 الحماية؟