السينما السودانيّة بارقة أمل لاستعادة مجد مضى

الثلاثاء 17 كانون أول 2019 268

   السينما السودانيّة بارقة أمل لاستعادة مجد مضى
 الخرطوم /  (أ ف ب)   
بعدما كاد الفن السابع ينقرض في السودان خلال 30 عاماً من حكم استبدادي، أعادت الثورة التي أطاحت الرئيس عمر البشير إلى عشّاق السينما، من أمثال طلال عفيفي، الأمل بإمكانية استعادة دُور العرض مجدها الغابر وبناء صناعة سينمائية حقيقية.
في 2008 فوجئ عفيفي أثناء حضوره في ميونيخ مهرجاناً دولياً للأفلام القصيرة بأنّ الجائزة حصدها المخرج العراقي قاسم عبد عن فيلم وثائقي صوّر بكاميرا يدوية وبتكلفة زهيدة، فعلم الشاب السوداني على الفور ما عليه فعله.
 
 يقول عفيفي (42 عاماً) لوكالة فرانس برس إنّه أراد “تذكير الناس بأنّ هناك مكان يدعى السودان وبأنّه في يوم من الأيام كان هذا المكان فعّالاً في مجال السينما وبأنّه ما زال فيه خفقان في مسألة الفنون”.
الفكرة التي ولدت في ذهن عفيفي في ميونيخ وجدت طريقها إلى التنفيذ بعد عامين بدعم من معهد غوتيه بولادة “سودان فيلم فاكتوري”، وهو معهد درّب على مدى سنيّه التسع أكثر من 300 شاب وشابة على الإخراج والمونتاج وكتابة السيناريو وسائر الأدوات المتعلّقة بصناعة الأفلام.
“الفاكتوري”، كما يسمّيه عفيفي، يعمل حالياً من فيلا قديمة بالخرطوم تقام فيها دورات تدريبية وتستضيف حديقتها أسبوعياً عروض أفلام مجانية وندوات سينمائية.
- أكثر من 130 عاماً -
قبل استيلاء البشير على السلطة في 1989 في انقلاب عسكري دعمه الإسلاميون، كان السودان يعتبر أحد روّاد السينما الإفريقية وكانت أعمال مخرجين كبار من أمثال جاد الله جبارة موضع تقدير في سائر أنحاء القارّة. ومن المشاهد الخالدة في أذهان السودانيين تلك التي التقطتها كاميرا جبارة للحظة رفع العلم السوداني عند نيل البلاد استقلالها عن بريطانيا في 1956.
والسينما السودانية ضاربة جذورها في القِدم ويرجع تاريخها إلى أكثر من 130 عاماً، بحسب المخرج المخضرم ابراهيم شدّاد.
ويوضح شدّاد (73 عاماً) الذي يعد مرجعاً في تاريخ السينما السودانية أنّ أول فيلم صوّر في السودان في 1898، بعد بضع سنوات من اختراع السينما.
ويضيف لوكالة فرانس برس “في 1946 أنشئت  “الموبايل سينما “ وهي أسطول من العربات تسافر حول السودان في كل الأقاليم وتعرض أفلاماً للجمهور السوداني”.
وبحسب المخرج-المؤرّخ فإنّ  عدد دور العرض في السودان بلغ 64 سينما خلال الثمانينات، كلها في الهواء الطلق، بسبب الحرّ الشديد وعدم توفّر مكيّفات ضخمة في حينه لتبريد القاعات الضخمة إذ كانت تتراوح سعة دار العرض بين 1500 متفرج و3500.
وبأسى واضح يقول شدّاد إنّ الإسلاميين حاربوا السينما بكل ما أوتوا من قوة وقضوا عليها بالكامل في 1996 إذ بعدها “الشعب السوداني ما عادش بيشوف سينما”.
بدوره يقول المخرج سليمان ابراهيم (72 عاماً)، رئيس “جماعة الفيلم السوداني”، وهو ناد يضمّ كوكبة من كبار السينمائيين السودانيين من أمثال شدّاد، إنّه “بعد انقلاب 89 الضربة الأكثر إيلاماً ووجعاً وجّهت إلى السينما”.
ويضيف وقد جلس أمام كاميرات قديمة تغطّيها طبقة سميكة من الغبار “الثلاثون سنة التي مضت عطّلت كل الأجسام السينمائية وشرّدت السينمائيين” السودانيين.
لكنّ مؤسس “الفاكتوري” لم يستسلم في هذه الحرب، بل مضى في مشروعه رغم العوائق.
يقول عفيفي “كانت هناك 5 أو 6 جهات لديها جميعاً سلطة المراقبة ومخوّلة أن تخاطبنا وأن تشدّ وتجذب معنا، وهذا كان أمراً مرهقاً للأعصاب ومشتّتاً للانتباه”.
“الفاكتوري” هو اليوم مصنع سينمائي متكامل الأركان فهو ينظم سنوياً “مهرجان السودان للأفلام المستقلّة” ومسابقات محليّة عدّة، كما أنّه شارك في إنتاج فيلم “ستموت في العشرين” الذي نال جوائز دولية، شأنه في ذلك شأن فيلمين سودانيين آخرين سبقاه بقليل إلى دور العرض هما “أوفسايد الخرطوم” و”الحديث عن الأشجار”.
  “عروض الأسطح” -
سقوط نظام البشير أعاد لعفيفي وأمثاله الأمل ببناء صناعة سينمائية حقيقة في البلاد.
يقول عفيفي “نحن الآن لم نعد نتحدّث عن عروض فوق الأسطح (...) بل عن استعادة دور السينما وتغيير القوانين وتأسيس كليّات لتدريس السينما”.
“عروض الأسطح” التي يتحدّث عنها عفيفي هي عروض أفلام كانت تجري على أسطح مبان بعدما أغلقت كل دور السينما أبوابها عقب استيلاء الإسلاميين على السلطة في انقلاب 1989.
أحد هذه الأسطح كان سطح معهد غوتيه في الخرطوم الذي تحوّل في إحدى ليالي 2010 إلى ما يشبه سينما مصغّرة عرضت عليها ستّة أفلام قصيرة أخرجها 15 شابّاً وشابّة سودانية في ختام دورة تدريبية نظّمها عفيفي بدعم من المعهد الألماني.
يقول عفيفي “كانت تلك ربّما المرّة الأولى منذ مدة طويلة جداً التي تعرض فيها أفلام سودانية وسط جمهور سوداني على أرض سودانية، فكانت ليلة لا تنسى!”.