{الجوكر} الأكثر شعبيَّة في 2019

الثلاثاء 24 كانون أول 2019 542

{الجوكر} الأكثر شعبيَّة في 2019

بيتر برادشو

ترجمة: مي اسماعيل

قدّم "تود فيليبس" في فيلم "جوكر" صورة مهيبة لكنها ضحلة، عن أصل شخصية المجرم المتفوق. وجاء أداء الممثل "خواكين فينيكس" قويا؛ لكنه أصبح مثقلا بواقعية التفاصيل والسرد الممل. لعل هذا الفيلم أكبر خيبة أمل في الموسم؛ إذ جرى اطلاقه بكل الأهمية الذاتية الغريبة النابعة من حمى جوائز المهرجانات. وأريد له أن ينطلق في حملة تصاعدية المسار؛ مستنداً على علامة راسخة الانتشار في الثقافة الشعبية. أُطلق في العام الماضي فيلم "ساسبيريا " للمخرج "لوكا جواداجينو"، وهو نسخة قاتمة لفيلم سابق.. وهذا العام كان "جوكر" للمخرج وكاتب السيناريو "تود فيليبس"؛ عن اسطورة نشأة الجوكر، أشهر أعداء الرجل الوطواط "باتمان".

الحبكة
لعب خواكين فينيكس دور "آرثر فليك"؛ رجل وحيد خاسر في مدينة غوثام يثير الشفقة، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. آرثر نزيل سابق لاحدى المصحات النفسية، سُمِح له لاحقاً بالعيش مع والدته المُسنّة "بيني" (الممثلة "فرانسيس كونروي) في شقتها الرثة. يعاني آرثر حالة عصبية تقوده لإطلاق ضحكات عصبية صارخة في أوقات غير ملائمة، وهو معجب بجارته "صوفي"، الام الوحيدة (الممثلة "زازي بيتز"). لكنه يأمل أن يصير فناناً كوميديا؛ ويشعر بإعجاب يقارب عبادة البطل تجاه المقدم التلفازي ذي الشخصية الرخيصة "موري فرانكلين" (الممثل "روبرت دي نيرو"). لكنه لم يستطع سوى الحصول على عمل المهرج (بوجه مصبوغ الضحكة وحذاء مبتذل ملتوي المقدمة) ليرفع لوحة اعلانية أمام أحد المتاجر؛ حيث تعرض للاضطهاد والضرب من شباب عصابة شارع مارة. وذات يوم، بعدما بلغ به اليأس والذل مبلغا لا يطيق احتماله؛ حصل آرثر على مسدس واكتشف أن موهبته ليست الكوميديا، بل العنف!
سبق أنْ أخرج "فيليبس" فيلماً عن شخص ذكي، مضحك وغير طريف، يعاني صعوبات التعلُّم؛ هو "ألن" في فيلم "ذا هانغ أوفر" (= صداع ما بعد الثمالة. المترجمة) قدمه الممثل "زاك غاليفياناكيس"؛ وهو شخص غريب لا يُحسن التصرف المتناسق ولا لفظ كلمة "تخلف".. وقد يُثار تساؤل كيف كان مآل فيلم "جوكر" سيكون لو اختير "غاليفياناكيس" ليلعب الدور بدلا من فينيكس؛ لكن الاختيار هنا يشي بوضوح بمدى الرغبة لإظهار الجوكر بشكل رجل جذاب.
 
الصناعة
كان تصميم الإنتاج في الفيلم متميزاً؛ قدمه "مارك فريدبيرغ"، وبرع المصور السينمائي (سينماتوغرافي) "لورانس شير"بتقديم صور متميزة لمناظر المدينة في تلك الحقبة، أضيفت لأداء فينيكس القوي.. لكنَّ أداءه (مع ذلك) لم يكن أفضل ما قدمه؛ إذ لم يصل لجودة ظهوره في فيلم "السيد-The Master" للمخرج "بول توماس أندرسون". يستقطب "جوكر" اهتمام المشاهد، حتى يصل مشهد الانتقام الدموي الفظيع في قطار الأنفاق (ولعل المقصود به محاكاة حادثة حقيقية لقيام "برنارد غوتز" باطلاق النار على أربعة من الأميركان الأفارقة سنة 1984 بنيويورك)؛ رغم أنَّ فيليبس كان حكيماً حينما جعله هجومًا غير عنصري. بعدها يفقد المشاهد اهتمامه بالفيلم؛ إذ يتحول لمسار ممل ومُقحم عن تحوُل الجوكر المُفترض الى "حركة" معادية للرأسمالية ومناهضة للأغنياء، يرتدي المحتجون فيها ملابس المهرجين. بينما تتلاشى مهنة الجوكر الإجرامية ذاته (كونه قاتلاً متسلسلاً) بشكل ضعيف!
 
المقاربات
يتخذ الفيلم مرجعيات من أفلام على ارجاء عصر الدراما؛ منها: أفلام "أمنية الموت-Death Wish "، و"الرابط الفرنسي-The French Connection "، وربما حتى "حرب النجوم-Star Wars "؛ لكن هذا كان بوضوح إجلالا شاقا وعديم المعنى لفيلم سكورسيزي/ دي نيرو الكلاسيكي: "ملك الكوميديا"؛ مضافا اليه القليل من "سائق التاكسي".. ما يعني أن الفيلم بدا (في بعض اللقطات) شبيهاً بهذين الفيلمين؛ وإن لم يكن بجودتهما.. تتعزز الاشارة للفيلمين بظهور "دي نيرو" ذاته في "جوكر"؛ ومع ذلك لم تكن الحصيلة بالجودة المرغوبة؛ خاصة عند المقارنة مع فيلم "أنت لم تكن حقاً أبداً هنا" للمخرج "لين رامزي" الذي قدم فيه فينيكس شخصية رجل وحيد يعيش مع والدته (وكانت النتيجة أكثر براعة).
تنتمي فكرة المهرج الخبيث بشدة الى السياق السائد؛ فنحن نعيش حقبة من التصيد والتمرد والبلطجة على الانترنت؛ ويرى البعض أن لا خطأ في الاندماج بهذا المسار (بل الصواب)؛ وأنَّ جدلية "التقليد" إنما يراد بها التضليل. ولكن ربما لأنَّ التقديم الدرامي لفكرة العدوان على الانترنت صعبة التنفيذ؛ أراد فيليبس لفيلمه أن يكون في حقبة تسبق الانترنت (وهذا أمرٌ مفهوم). لكنه ايضا يُدخِل لحظة شبيهة بفيلم يوتيوب حينما يظهر (بطريقة ما) تسجيل لمحاولات آرثر الكارثيَّة بتقديم عرض كوميديا.. ولعلَّ هذه أيضاً محاكاة لفيلم سابق!
"جوكر" كان أكثر نضجاً وخالياً من الكوميديا الكارتونية؛ مقارنة (على سبيل المثال) بجوكر "جاك نيكلسون" الذي قدم شخصية المجرم الوضيع "جاك نابير"، الذي سقط في وعاء كيميائي في فيلم "باتمان" للمخرج " تيم بيرتون" وتحول الى "جوكر" أبيض الجلد أخضر الشعر ذي ابتسامة جامدة ملتوية. علما أنَّ صورة الجوكر بتلك الأوصاف هي أصلا استلهام من الفيلم الكلاسيكي الصامت "الرجل الذي يضحك" للممثل الألماني "كونراد فايت" سنة 1928؛ وهو رجل قام أعداء والده السياسيون بتشويه وجهه الى ابتسامة جامدة دائمة! 
لا يوجد سبب ليكون جوكر فينيكس (ذو الخلفية التاريخية المتقنة) أقل قوة من جوكر "هيث ليدجر" ذي التاريخ الغامض الخالي من الدوافع والاصول (في فيلم: دارك نايت -The Dark Knight)؛ ولكن في نقطة ما لا بد من الدخول لعالم المجرمين الكبار في القصص المصورة؛ وقد كان ليدجر أكثر قوة لأنه لم يكن مثقلاً بكل التفاصيل الواقعية ولا تضخيم إبهار السخرية التهكمية القاتمة. كما لم يكن مجبراً على رفع عبء القصة بأكملها على عاتقه.. لكن لم يكن للجوكر هنا سوى مشهد واحد: المشهد الأول؛ ثم كان الفيلم جاداً جداً وضحلاً جداً..