متى أعيش؟

الأحد 19 كانون ثاني 2020 192

متى أعيش؟
ياسين طه حافظ
طبعاً لا يسأل مثل هذا السؤال، الرجل العادي الذي يشغله كسب قوته وكيف لا يحتاج ولا يجوع. فهو مصادَر أساساً، وهو كادح عيش بمعنى يكدح لكي يبقى حياً أو لكي لا يموت.  إذاً هو سؤال من يمتلك وقتاً بعد الحصول على الخبز. ذلك الذي امتلك سقفاً وطعاماً واشترى الدواء الذي وصفه له الطبيب. بقي ان يتصفح جريدته أو يكمل القصة التي بدأ قراءتها. اعترضه ذلك السؤال حين كلّ من الصعود والنزول الى شقته، حين مل تواتر العمل ومراجعات الطبيب وحتى وضعته إشكالاته الاجتماعية في دوامة انشغالات.
ولكن قبل الاستمرار في كشف أسباب السؤال، ما المقصود بـ متى أعيش؟ هو ليس أكل الخبز و شرب الماء وارتداء الثياب للعمل أو للقاء رسمي أو استجابة لاستدعاء من دائرة رسمية. هذا قد يكون هو مصدر السؤال. أن المقصود عيش آخر غير الذي ذكرناه. 
استمرار أي عمل يورث مللا أو تعباً أو رغبة في الابتعاد عنه. واضحة ملامح ونعومة وارضاء أيام العطل والقفزة بفرح عند سماع خبر لعطلة غير متوقعة. 
وقد أصبح سهلاً، واضحاً احتفاء الناس في المدن الكبيرة. أحياناً يحتفون بينما هم يسيرون ذاهبين أو عائدين لأسباب تعرفها دوائر الاحصاء مثلما يعرفها الناس: مرض، تعب، اضطراب نفسي، عدوانية وأحياناً يغيبون أنفسهم عن المشهد الكبير عن الحياة بسبب عدم قدرتهم على اقناع انفسهم باكتشاف العالم فيختنق من ضيق الدائرة، الحلقة المسودة التي يدور فيها. والآلية التي تفقده إحساسه الآخر بالحياة، بالجمال الذي تتشوق له روحه وتيأس ثم تذبل، ثم يراها تطفأ وتنتهي وينتهي هو ايضاً. إذاً ثمة من يموتون في مناطقهم العمياء التي افتقدت اللحظات الحميمة والمفاجأة المبهجة ثمة ما يذكرهم بوجود الفرح قريباً منهم لكنهم لا يسمعون إلا 
موسيقاه.. 
لنا أمثلة من ناس منقطعين، عاشوا على هامش المجتمع وهامش الحياة، حققوا نجاحات. أولاء فاجأهم اشعاع خارق للمعتاد تعلقوا به ليروا تفاصيل الوجود القابع في تراكمات العوز والمزعجات. ذلك الاشعاع كان دليلهم لرؤية الجمال المصادر في كل حالات البؤس والشناعة التي هم فيها، وحين كشفوه للعالم، استجابات لهم ارواح سجينة مشابهة لأناس ممتحنون مثلهم فكانوا وسط العالم. لا يظهر عمل فني أو أدبي أو صناعي آلي كبير، بعيداً عن صاحبه. آثار العزل والمرض والهجران أو الحرمان اخفت عنه وأنسته العالم، فاستدل بشعاع الانتباه القوى إليه. الحياة قريبة منه محروم منها. الأسباب أساساً مادية لكن الأسباب المادية قابلة للتجاوز وقابلة للمحو أو الإزاحة. لكن تفاصيل حياته المدانة اكتسبت وجوداً آخر، اكتسبت حضوراً إبداعياً و بزغت مخلفة أسبابها ومضامينها سماداً يغذي ايراقها الجديد. لقد توصل الى صوته الى أسلوبه الى فلسفته الى محبته الخاصة لنفسه وللناس وللحياة. هنا اختفت الغربة فهو بتكوينه ومحتواه في رحاب الحياة.
ماذا نفهم من هذا كمحللين اجتماعيين، أو كأحياء على مساس بما يفتك بإنسانية الإنسان ويدمر ما كان يمكن ان يكون موهبة خارقة؟ هذا يعني ان ذلك بدأ صراعاً عظيماً لقلب، لاظهار الوجه الآخر المحروم منه من كل مفردات حياته المدانة بالعيوب والأوجاع أو المنفّرات. لكن كيف لنا بتلك الطاقة المغيرة وذلك النزوع القوي الذي مكنه من اظهار، من وضع الوجه المخفي أمام الشمس؟ "لو رأيت لفعلت !" هذا قول يتداوله الناس في الندم او الاعتذار. المهم هو ان يرى. ولكي يرى يحتاج للخروج من العزلة. أي ان نزيح الحجاب وان نلغي المسافة الفاصلة. أحد الفنانين الذين عانوا من العزلة وانطفاء الاضواء حولهم، قال: الحب المنفي فيَّ ، المكدس في مخزن جسدي، وزعته على الأشياء الغريبة حولي، "عواطف مع أشيائي اليابسة مثلي نمت. صارت اجزاء مني. صارت جميلة، أليفة، بيننا تعاطف. حنان غير واضح نشأ. لم اعد استغني عنها. اللوحات التي يزدحم الناس لرؤيتها حملت كل ذلك... لمسة حب تعطي ما تكره شكلاً آخر.. وجدتُ فرصة لأعيش!"