عيسى حسن الياسري: الشعر.. يمسك بيدي ويجلسني إلى مأدبة محبته !!

الاثنين 20 كانون ثاني 2020 602

عيسى حسن الياسري:  الشعر.. يمسك بيدي ويجلسني إلى مأدبة محبته !!
عبد الجبار العتابي
طالما وجدتني مشدودا الى قراءة ما يكتب الشاعر عيسى حسن الياسري، اشعر ان شاعريته تتجدد وانفاسه الشعرية تغمرني بعذوبتها وما تحمل من رؤى وافكار، لكنني هنا حاورته في ما اعرفه عنه وحاول ان اتوغل في اعماقه لاعرف الكثير 
عنه .
 
 * ما السحر في الشعر لكي  تستمر في كتابته ؟
– لست أنا هو من يكتب الشعر .. بل هو الذي يمسك بيدي  ويجلسني إلى مأدبة محبته .. إنه يحضر دائما في الوقت الذي أكون فيه محاصرا بالوحشة .. وأنا أجلس وحيدا من دون أصدقاء أتبادل معهم حوارا ممتعا فيكون هو الصديق .. ورفيق رحلة السفر .. وقطعة الحلوى التي تطرد مرارة خيباتي  .. هناك رحلة امتدت لثمانين عاما .. تغيرت فيها أشياء لاتحصى  وحده الشعر ظل الصديق الذي لايخون .. لذا ومتى ارتجف خوفا يهدئ خوفي .. وكلما خارت قواي  يشجعني على مواصلة الرحلة  .. ويرسم لي حلما جميلا يقول إنه ينتظرني .. وعليَ أن أعيش من أجله  .. الشعر  ياله من أب حنون من دونه يكون  يتيما  فاجعا .
 
* متى دخلت  دائرة الشهرة لاول مرة ؟
- الشهرة !!! .. حتى اللحظة لا اعرف ما الذي تعنيه هذه الكلمة التي تخيفني .. كل ما اعرفه أن أسمي – عيسى حسن الياسري - .. طفل ريفي  لم يغادر بعد تلك المرحلة التي لايعرف فيها الطفل الفرق بين الزهرة والشوكة .. وبين أن يلمس النار أو يلمس عشبة الحقول  . 
 
* لماذا غابت الرواية عن ابداعاتك ؟
– لكثرة ماتشبعت مخيلتي بقصص جدتي وعجائز وشيوخ القرية .. ولكثرة ما قرأت من الروايات اعتقدت أنني وعندما أكبر سأكون من كتاب الرواية.. لكن الطبيعة الريفية كانت هي الأقوى لذا قادتني نحو الشعر .. ، الطبيعة كما  العشيقة التي تحتلنا، فلا تسمح لأي امرأة غيرها أن تأخذ مكانها .. مع هذا فإنني .. وبعد مغادرتي – معتقل التسفيرات– الرهيب .. وتوقفي عن الشعر خضت تجربة كتابة الرواية .. وكانت – رواية أيام قرية المحسنة - .. اعتقد أنني نجحت فيها .. لكنني عدت بعد إنجازها إلى  بيتي الأول الشعر .. كما يعود حمل ضائع إلى حظيرته .
 
 *هل احاطتك الغربة بأعبائها كتابيا ؟
- بالعكس تماما .. الكتابة هي التي ساعدتني على أن ارمي بأعباء الغربة بعيدا عني ..ثم أن  الغربة ليست جديدة علينا  ياصديقي .. نحن عشنا أقسى أنواع  الغربة في بلداننا .. محزن جدا أن يكون المنفى اكثر حدبا علينا من الوطن الأم .. المنفى لم يجلسني لأكتب – العرائض – في البرد والحر لست سنوات لأنني لم امدح – القيصر - .. ولم يفرض علي أن أحمل دزينة مستمسكات رسمية حتى اثبت – عراقيتي - .. في المنفى لا احتاج سوى بطاقتي الصحية للطوارئ .. وبطاقة – الباص - . 
 
*ما الذي تمنحك اياه الجوائز والتكريمات ؟
– في لحظتها تكون مواساة طيبة لي .. لكن وبعد فترة قصيرة أنسى كل شيء وأعود – عيسى حسن الياسري – الانسان البسيط  الذي يتأبط ذراع الشارع  ويتجول وحيدا .
 
*هل ما زلت تشعر بمتعة الكتابة والقراءة ؟
– تماما كما لو كان استمتاعي بهما في بواكيري الأولى .. لاسيما القراءة .. فأنا لا أعرف كيف أعيش يومي الذي لا اجد فيه كتابا اقرأه .. من لايقرأ لن يكتب شيئا مهما .. القراءة زيت الكتابة . 
 
*هل ما زالت المرأة مملكتك ام غيرتها الازمنة؟ 
–المرأة .. كانت و ما زالت وستبقى حتى آخر خفقة قلب .. إنها – نافذتي الإنقاذية .. متى ما شب حريق في هذا البيت - . 
 
* اي استفزاز  تمارسه طقوس القرية في نفسك التي تعيش في المدينة الغربية حاليا؟
– ليس استفزازا .. بل تمارس دور المعادل النفسي الذي يسندني كلما حاولت الغربة أن تحاصرني بوحشتها ورياحها الشرسة .. القرية  تمثل لي دور الأم الحنون .. تأخذني إلى صدرها .. ترقدني ليلا على سرير جدتي الخشبي .. أو تدفئني وهي توقد النار في موقد كوخنا القصبي .. تأخذني في جولة عبر حقولها ومراعيها .. توقظ نهر – أبو بشوت– من نومه الطويل .. وتجعله يقوم من موته ممتلئا بالمياه العذبة ..  القرية حضور دائم معي .. لذا وكلما شعرت بالضعف أو الهزيمة سندتني بأكثر أشجارها صلابة ومقاومة  للرياح  . 
 
*كيف ترى العلاقة بين النقد والنص الشعري  ؟
– في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وإلى حد ما في الثمانينيات وحتى منتصف العقد التسعيني كانت للنقد سلطة تفرض حضورها المؤثر في النص .. كان النقد لايفرط بقوانينه النظرية أو الأخلاقية .. ولا يخضع للعوامل البعيدة عن معالجاته الموضوعية .. الآن هناك فوضى مخيفة لاتخضع لأي سلطة نقدية بقدر ما تخضع لمصالح لا ثقافية او علائق شخصية  
 
*ما الذي يعنيه لك اصدار (المجموعة الشعرية الكاملة) وانت في قمة نشاطك الابداعي؟
– أنا الآن أشعر بدخولي  في سباق مع الزمن .. وعلي أن أنجز المهمة التي كلفتني بها الحياة  والتي لا اعرف حتى الآن إن كنت جديرا بهذه المهمة أم أنني أهدرت وقتي في ما لا طائل منه .. المهم أنني حاولت وهذا ما يحسب لي .. وعلي أن أخرج هذه المحاولة إلى النور قبل أن يصلني آخر إنذار باخلاء البيت .. لذا عمدت إلى إصدار أعمالي الشعرية واستعد لاصدار جزئها الثاني . 
*متى شعرت انك لا تريد الكتابة  ؟
- عندما يكون حزني أكبر من قدرتي على  الكتابة .
 
*متى يداهمك الضجر ؟
– الضجر  !!! ، لا ياصديقي .. أنا لا أعرف شيئا اسمه الضجر .. الضجر داء يختص بالملوك والأمراء والذين تختنق حساباتهم في المصارف بالمليارات .. إنه يختص بهولاء الذين تمتعوا بكل ملاذ الدنيا لذا طالهم الضجر .. ولم يبق أمامهم سوى أن يتذوقوا  فاكهة  الموت .. أنا  واحد  من المساكين الذين  تورطوا  بلوثة  الكتابة -  .. لذا  يمكن أن تسألني متى يداهمك القلق ...؟ هنا أقول  لك .. القلق اقرب أصدقائي لي  ومتى يتأخر عن زيارتي اليومية أقلق عليه كثيرا . 
 
*ما الذي يتأرجح في داخلك ؟
– كنت أخشى أن أدفن عندما أموت بعيدا عن أرض – العراق –، الآن حُلَّ هذا الإشكال .. حيث اتصلت بي ابنة شقيقتي وأخبرتني أنها ستحضر إلى – مونتريال - .. وعلي أن أخبرها عن الهدية التي ارغب أن تحضرها لي معها .. قلت لها .. احضري لي – حفنة من تراب العراق المقدس –لأتوسدها في قبري عندما تنتهي الرحلة  لأشعر بدفء حضن – العراق - .. وفعلا أحضرتها لي .. وأنا احتفظ بها الآن كأي كنز لايقدر بثمن .