عازف الناي.. سعة المكان والرمز

الثلاثاء 28 كانون ثاني 2020 281

عازف الناي..  سعة المكان والرمز

ريسان الخزعلي

عازف الناي ، استعادة فنية / موسيقية للشخصية الشعبية البصريّة (تومان) ..، وإحالة قصديّة للاستمرار في اجتراح الشعر الحقيقي – العزف على جذور التأصيل ، والموهبة ، واشتراطات الثقافة والتجربة. والشاعر / ابو وليد / ومنذ ُ بدايات تشكّله الشعري في الستينيات ، كتب َ القصيدة الشعبية الحديثة بتوازيات معرفيّة / جمالية مع تطورات هذه القصيدة – المرحلة النوابيّة ومابعد النوابية – ملتفتاً الى الجديد باستمرار، ومستثمراً لقدراته في التطويع والإضافة ، وصولاً الى صورة في التحوّلات الفنية ، هيَ صورته الشخصية التي لم يظللها الآخرون بألوانهم . 
في/ عازف الناي / مجموعته الشعرية الأخيرة ، تشعُّ استخدامات الرموز المتنوعة وبمختلف جذورها ، ومن ثم اسقاط دلالاتها في مواجهة الواقع. كما أن َّ للمكان فيها مساحته الواضحة كجمالية أشّرتها الدراسات التي تهتم  بجماليات المكان. ومثل هذا الاشعاع يجيء نتيجة وعي الشاعر بضرورة التماهي مع تطورات الشعرية العراقية والعربية والعالمية .
لقد كان استخدام الرمز والمكان واسعاً في المجموعة مما منحها عمقاً يستوجب الإنصات : كربلاء، بابل ، آشور ، الحسين ، النبي ، العبّاس ، فدعه ، علي ، عاشور ، الدرويش ، المقهى – مقهى الزهاوي ، يونس ، دافنشي ، المعرّي ، جبريل ، كسرى ، بتهوفن، أم البروم ، جيكور، عاشور ، مريم ، تومان، الكوفة، الغري ، صفَر ،عون ، كَلكَامش ، المسيح، الغايب ، خضر الياس ، المعتصم ، الاخيضر، هولاكو، الرضيع ، زينب ، صفّين، جيفارا ، ابن ملجم ، بلال ، ابو ذر الغفاري ، الصفا والمروة ، خيبر ، الكعبة ، النهر...الخ 
إنَّ هكذا سعة تمثّل الدلالة المعرفية للرموز والأمكنة ، وقوّة استحضار للقيمة التاريخية فيها وبمهارة اسقاط في مواجهة الواقع الصادم بعد أن توافر الشاعر على دالّاتها ومدلولاتها ؛ ولم يكن الاستخدام هذا محاولة (تلصيق) وإنما ضرورات فنية تمنح الشعر تأصيلاً وتواشجاً بين الحاضر والماضي وتمسّكاً بواقعية تدفع كل ما هو رومانسي الى مديات التغييب : 
يانهر.. مثلك آنه..لاهِي ابحزن كربله
وادريك من التعب ناسي الذي شفته
جرحك ..كَدر صار الي والطولي فصّلته.. بس مامتت ظلّيت ذاك انته . إنَّ رموز ( ابو وليد) الدينية والتاريخية والوطنية وأمكنته الأثيرة تتضافر لتشكّل (وحدانية حضورية) رغم التباعد الزمني بينها ، الّا أنه ُ يقطف المشتركات في التضحية ومرارة الزوال ، من اجل الانسان وجدوى وجوده مع ملاحظة الانحياز للرمز الديني لما يُمثّله هذا الرمز من اشتعالات في الذاكرة الميثولوجية: 
البواجي اعذار.. واعطور البنفسج غاد
مدْ شوف النظر واتعذّر البغداد .. تدريه المخاض ايهز بطن مريم 
واتمنّه المسيح ايصافح الغايب ..
ونتيجة لصدمة الحاضر ، والدهشة الكبيرة لحظة الوقوف أمام مرآة هذا الحاضر، يُحاول الشاعر أن يتضامن بالذاكرة لتعويض شيء من خسارات الزوال ، لذلك نراه يستحضر الشعراء – الراحلين والأحياء – بكثافة اهداء غير مسبوقة ، للتذكير بالمحنة الوجودية المشتركة : السياب ، البريكان، علي الشباني، شاكر السماوي، طارق ياسين ، عزيز السماوي ، كامل الركابي ، لطيف حسين ، وغيرهم ( طارق ابكَلبك عزيز إو من لطيف حسين شايلّك خجل). 
في/ عازف الناي / تكون اللغة الشعرية في أعلى مستويات التجاور مع الفصحى بعيداً عن الإيغال في الجذر العامّي ، وتلك من خصائص اسلوبية ( ابو وليد) في الامساك بلغة متناوبة التراوح (روحي ابعالم الطوفان تبحث عن جرف ثاني) . كما يمكن الإشارة الى أنَّ الصورة الشعرية في (عازف الناي ) تتشكّل بوضوح من دون حفريات ذهنية ، من دون اشتقاقات بعيدة عن المتن الحكائي الذي تمتاز به القصائد ، لذلك تكون هذه الصورة هي / السطح/ المرئي من عمق القصيدة : 
انت َ من ملكَاك باب ..شايل ابروحك اغاني الناس والهم والعذاب.. إومن صلاتك تركع ابوجهك ملايين النجوم ..هاجسك نخل العراق إو عتبتك أم البروم...