عبد الأمير جرص

السبت 01 شباط 2020 246

  عبد الأمير جرص
  حميد المختار 
 
   ما زال راكباً دراجته الهوائية بجسمه الخفيف وحركته البطيئة، إنّه يدور حول المكان الذي سيغادر منه إلى الأبد تاركاً إرثاً مثقلاً باللوعة والحزن والغيابات والحظ السيّئ. كان منفاه الكندي ساكناً مغطى بالبرد والثلج، بينما هو بحركته أثبت أن جذوة الحياة في داخله مستقرة ووقاده. (قلت: دع العالم يمضي واسترح أنت بعيداً) وهذا ما فعل، ترك الوقت ساكناً سكون الجثة الباردة ووقف بعيداً جداً يتذكر حياته السابقة الحافلة بالعذابات والنأي، شريط حياته ما زال يبث الصورة تلو الصورة مؤطراً بشعر أخّاذ مليء بالشجن والفرح، وإن قلت أوقاته، ظل كما لو كان جالساً على مائدة العالم ينتظر الوجبات الثلاث، حبه البعيد ظل بعيداً لكنه يسوق إليه نياق الحنين والشوق كل يوم، (وقمت أنا بين أنقاض الهدم السماوية بإزاحة الستار عن الهزيمة) كثيراً ما يقوم عبد الأمير من ميتاته بجرأته المعهودة ويثبت كونه حياً بالشعر، الشعر سلاح الحياة وصانع الجمال، إن قيامه الحيوي الدائم يبعثه شاعراً في كل مرة ويصنع له مجداً وإن تأخر كثيراً،(ثم انهزمت / بأنقاض روحي نمتُ / ومنها انهزمتُ / ودفنت بعيداً عنك / هنا) هي ذي، إذاً، رؤيا الشاعر بتبصّر الموت القادم، يموت ويدفن هناك بعيداً عن بلده الذي عاش فيه وأحبه وبعيداً عن حبيبته المنتظرة إطلالاته في الرؤية والأحلام. 
عبد الأمير جرص شاعر حداثي تميز عن أقرانه وأبناء جيله؛ ابتدأ في كتابة القصيدة الموزونة والتزم بايقاعاتها، ثم تحول كلياً الى كتابة قصيدة النثر فصار واحداً من روادها الشباب أولئك الذين اتخذوا منها، كنص، سلاحاً وتمرداً وغضباً ابّان هيمنة السلطة الغاشمة، في الشعر يكون بطلاً أسطورياً مثل سبارتكوس لكنه في الواقع صعلوك لا يجد قوت يومه، وهو ثري متخم بقوت شعره اليومي الذي يحارب من خلاله قوى الظلام ويعيش عليه وبه ولأجله كأساس للجمال والحياة والغضب. كنا كثيراً ما نلتقي ابّان المجاعة الكبرى، أيام الحصار السوداء، في مقهى حسن عجمي وفي الجريدة وفي ساحة الميدان وشارع المتنبي قبل أن يظهر بصورته الحديثة، أقرأ له نصوصي السردية الجديدة ويقرأ لي ما يحلم أن يكون ديواناً شعرياً فتحقق حلمه البسيط بصدور ديوانه قصائد ضد الريح فصار فاتحة لمنشورات الحصار الصغيرة جداً بحجم الكف، وقد ضمتها الأعمال الشعرية الصادرة عن دار سطور مع دواوين أخرى: أحزان وطنية، السماء التي لم أرفعها، نصوص بلا هوية، جبال لا حول لها ولا قمّة. هذا الكتاب من الكتب الشعرية المهمة التي ينبغي الاطلاع عليها ودراستها لمعرفة سيرورات الحداثة في العراق منذ بدايات تسعينات القرن المنصرم وحتى
 الآن.