{البابوان}.. ضجة في صف الكنيسة

الثلاثاء 04 شباط 2020 182

{البابوان}.. ضجة في صف الكنيسة
علي حمود الحسن
 
 
 
 
جدل الكنيسة الكاثوليكية والصراع المرير بين المتزمتين والاصلاحين، وأزمتها التي تمظهرت: اغترابا  وجمودا وفسادا، فغاب إشراقها بعد أن "سلب العلم كرامة الانسان الغربي وأفرغه من إيمانه"، واهتزت مقولات كانت بمثابة مسلّمات، تخص أصل الوجود، والاعتراف، والتوبة، وقداسة النص، فتحيّد المقدّس وأفرغ من محتواه منذ أن أبَّنهُ نيتشه فتحول الى محض برواز للحضارة مادية جشعة تأكل ابناءها، هذا بالضبط محور النص البصري الطريف والمغلّف بمسحة ساخرة، الذي كتبه النيوزلندي انتوني مكارتن ("نظرية كلّ شيء"، "الساعة الاشد حلكة"، "وفاة البطل الخارق") عن مسرحية له بذات الاسم، تحكي لقاءً افتراضيا بين البابا بينديكت المحافظ (انتوني هوبكنز) والكاردينال خورخي ماريو بيرغوليو (جوناثان برايس)،  في الفاتيكان ؛ الاول منظومة مغلقة  يعتقد انه الحارس المقدّس الامين، والثاني اصلاحي بسيط لايهتم بمظهره منغمس في يوميات المجتمع يشجّع فريقه الارجنتيني، ويترنّم بأغاني فرقة آبا، ويصلح نظارته بنفسه، ويختلط بالفقراء.
 الفيلم أخرجه البرازيلي فرناندو ميرسليس صاحب "مدينة الرب" معتمدا على اثنين من عباقرة الأداء التمثيلي الاحياء، هما: انطوني هوبكنز مجسّدا شخصية البابا بيندكيت 16  وجوناثان برايس (البابا فرانسيس)، اللذان تحملا عبء فيلم ارتكز على حواريّة خياليّة على الرغم من واقعية احداثها، وكاد الفيلم المنتج في العام 2019 لحساب شركة  نتفليكس ان يتمسرح، بسبب هيمنة الحوار بين الشخصيتين المتناقضتين، لولا براعة ميريليس وحذقه في توظيف اساليب سردية مختلفة، فضلا عن تركيزه على التفاصيل الصغيرة، وقدرته على ضخ الروح والحيوية في أكثر المشاهد ترهّلا  وقتامة.
يحكي الفيلم  قصّة  انتخاب البابا بينديكت واستقالته في العام 2013، إثر تداعيات أزمة التحرّش الجنسي والفساد المالي للكنيسة الكاثوليكية، وتعيين الكاردينال الارجنتيني الاصلاحي بيرغوغليو خلفا له، وقد تبدو مفارقة أنّ بيرغوغليو كان يحمل ورقة تقاعده، إلّا أنّ لقاءه مع البابا وحوارهما الذي شغل معظم الزمن الفيلمي، أذاب الجليد بين هاتين الشخصيتين، اللتين سنحت لهما فرصة قيادة اكثر من مليار مسيحي، على الرغم من تناقضهما، ليصلا بعد نقاش وبوح يصل حدَّ الاعتراف الى  صوت الربّ الذي ينشدانه، بعد أن يعترفا ويتجرّدا من كلّ الأقنعة التي يرتديانها، وينجح الكاردينال المتواضع والذي لايطيق ارتداء الزي الكهنوتي  ولاتقاليد البابويّة العتيقة  التي هي من وجهة نظره تضع عائقا بين يسوع واتباعه.
قدم هو بكنز وبرايس اداءً مبهرا، فنحن نتابع حوارهما ويومياتهما بمتعة وشغف وخفة، فهذان العبقريان وهما في خريف العمر يعبران بالايماءة والعاطفة واحيانا بالقسوة ليظهرا ملامح هاتين الشخصيتين، وما جعل مهمتهما عسيرة، كون السيناريو يعتمد على الحوار بشكل اساسي، وهذا يعني جرّهما الى منطقة المسرح – والطريف أنّهما خرجا من معطف المسرح وصرامته الادائيّة-  إلّا أنّ مخرجا على شاكلة ميريليس، تجاوز كل ذلك من خلال لعب سردية يجيدها (الاسود والابيض، الفلاش باك، فلاشات صادمة) بتناغم مع مونتير اقرب لصانع سجاد ماهر (المشاهد الافتتاحية: التصويت، تتويج البابا، ارتباكات الكاردينال، الانتقالات السردية).
الفيلم في غاية الطرافة والجمال والجسارة في طرح أزمة البابويّة، وهو موضوع ظل بعيدا عن التناول، لكن خيال الكاتب والسينارست أنتوني مكارتن طوّعه بأسلوب يجمع بين التوثيق والخيال، ونفذه مخرج مستقل يأبى الترويض بفريق عمل متكامل ومحكم.