سواجي وعطش .. الشعر حين يستمر

الثلاثاء 04 شباط 2020 261

سواجي وعطش .. الشعر حين يستمر

ريسان الخزعلي

 
 
الشعر حين يكون ويتكوّن، لا بدَّ له أن يستمر، الإستمرار الذي يُشير الى العناصر الإبداعية، الظاهرة والكامنة، العناصر التي لا يستطيع التراكم الزمني أن يُنقص منها أو يُثبت عدم قدرتها في مواجهة التحوّلات  الشعرية، الفنية والجمالية، التي تتجدد بتأثير كشوفات النقدية المعاصرة وكذلك تغيّرات التلقي والاستقبال. وحين يصمد الشعر فنيّاً في مواجهة هذه المحددات، نستطيع الإشارة الى ارجحيّة كل من الشعرية والشاعرية على السواء في الرسوخ الذوقي والتذوّقي.
إنَّ مناسبة هذا القول قد جاءت بعد مطالعة الطبعة الثانية لمجموعة  (سواجي وعطش) للشاعر المبدع/ عبد السادة العلي/ التي صدرت طبعتها الأُولى عام  1974مصحوبة بدراسة للشاعر / شاكر السماوي/ ..، وهاهيَ تُعيدنا الى ما طمحت اليه سابقاً ولاحقاً: الشعر حين يكون.. الشعر حين يستمر .
وهنا لابدَّ من الإشارة الى عناصر الشعرية فيها، هذه العناصر المتضافرة في ما بينها  وصولاً الى تكوين مناخ شعري خاص: البناء، المعنى والمعنى الكلّي ، جماليات اللغة ، الصورة الشعرية، الايقاع العروضي وغير العروضي، جماليات التكرار، كيف تبدأ القصائد وكيف تنتهي، الترميز، تنوّع الاساليب، جماليات استخدام الرمز ، الذاتي والموضوعي، الإحساس بالزمن، المرأة والوطن ، الانحياز الوجودي / الفكري، الصوت والصوت الآخر، التداعي، والكثير من الملامح الفنية الأُخرى. ضمّت المجموعة قصائد تعتمد العنوان المُركّب من المضاف والمضاف اليه كما هو معتاد في حينه: مرود كحل، جرح الشرف، شمس الروح ، عطش الظنون، سواليف العطش، طيف السوالف، أبيات للطين، نجمات التعب. وأردفها بلمحة مغايرة في العنونة حيث العنوان المفرد أو العنوان الجُمَلي: إسراء، انت وروحي والسفر، من سفرة ريح ، خطوة على السفر، ومثل هذه المغايرة كانت جديدة وتُشير الى أهمية العنوان بإعتباره (ثريّا النص)..، وقد جاءت ضمن خط تطور الشاعر الفني.
من قصائد المجموعة التي تصح أن تكون مثالاً تطبيقياً عاماً يعكس جمالياته  كما في القصائد الأُخرى، قصيدة (أبيات للطين) حيث الصفاء اللغوي، الاستخدام الرمزي الدلالي (شهرزاد) والتشكيل الصوري البارع: يل كل سواليفك عُمر ..لو شهرزادك باتت إوياهه الشمس .. گلبي بعد شيليّل...، وك روحي وردة رازقي اتزت لونهه ابأوّل صبح وانته سعف كل خطوه بيك اتهلهل . 
ومن الجماليات االأخرى ، تشع جمالية التكرار الحروفي لتضيف ايقاعاً داخلياً يمنح الايقاع العروضي تموّجاً موسيقياً إضافيّاً ليّنا يخفف من حدّة الموسيقى العالية. وهنا أُشيرالى تكرار حرفيّ الواو والراء في قوله: وك روحي وردة رازقي، وكذلك تكرار اللام والشين والكاف المشددة في قوله : زلفك الراوي عشكَ ، شوكَ الشلب من يمحل ، عكَيده  روحي ، تشهكَ كَصيل  إو سنبل .
في قصيدة / أبيات للطين / كان الاستهلال استهلال سفر  (يل سافرت)..، وهكذا بُنيت حركة القصيدة الكليّة على دالات الحركة: الظل ، تشهكَ ، إتزت ، صبح ، نهر ، ريح ، حدّرت ، ينسِل ، شمس، ليل، خفكَ ، ضفاير. كما أنَّ السفر الذي إبتدأ ظنيّاً/  ذهنيّاً يل (سافرت بظنوني) ينزاح ازاحة زمنية ، ليكون السفر في ختام القصيدة عودةالى الماضي -  وليس ذهاباً الى المستقبل -  حيث استثمار الحكاية الشهرزادية في الف ليلة وليلة : لو شهرزادك باتت إوياهه الشمس كَلبي بعد شيليّل؟!. وهذا ما أعنيه بالقول : كيف تبدأ القصائد.. كيف تنتهي القصائد. إنَّ التطبيق السابق يصح أن يكون معياراً جمالياً / فنياً لمعظم قصائد (سواجي وعطش) إلّا أنّي أردت ُ المثال لا الحصرلأن الاستغراق يحتاج مساحة أخرى . مجموعة الشاعر هذه تؤكد حقيقة الشعر حين يكون وحين يستمر، لأنها مجموعة تبتعد كثيراً عن المناسباتية في القول، المناسباتية التي تزول لحظة زوال اسبابها  وبخاصة تلك التي لاتترك شرخاً في الذاكرة، وهذا لايعني أن الشاعر غير متفاعل مع التحولات السياسية والاجتماعية، فهو على مقربة من اللهيب الذي يشغله ويتشاغل معه صوريّاً في توليد قصائده . إنه شاعر الصورة النحتية التي تخفي الموضوع تحت نثارها...