{الأسمنت الحي}.. الأبنية تجددُ نفسها تلقائياً

السبت 08 شباط 2020 217

{الأسمنت الحي}..  الأبنية تجددُ نفسها تلقائياً
آموس زيبرغ
ترجمة: انيس الصفار
بقي البناؤون يصنعون الاسمنت عبر القرون بالطريقة نفسها من دون تغيير تقريباً، وذلك بمزج مواد صلبة مثل الرمل بمواد رابطة متنوعة ثم يأملون بعد ذلك أنْ يبقى المزيج ثابتاً على صلابته لفترة طويلة مقبلة.
اليوم تمكن فريق مكون من باحثين متعددي الاختصاصات في جامعة كولورادو من ابتكار نوع مختلف من الاسمنت.. نوع حي وقادر حتى على التكاثر.
في هذه المادة الجديدة لا نحصل على المواد المعدنية من خلال تفاعلات كيمياوية بل من خلال نشاط بكتريا خاصة تسمى "البكتريا الزرقاء"، وهي صنف من الكائنات المجهرية القادرة على اصطياد الطاقة من خلال عملية التركيب الضوئي.
"البكتريا الزرقاء"
 عملية التركيب الضوئي بطبيعتها تمتص غاز ثاني أوكسيد الكاربون من الجو وفي هذا تباين كبير مع عملية انتاج الاسمنت الاعتيادي التي تلفظ الى الجو كميات هائلة من غاز الدفيئة هذا.
بكتريا التركيب الضوئي تعطي الاسمنت الجديد سمة أخرى مختلفة عن المعتاد، وهي اللون الاخضر. يقول "ويل سروبار"، وهو مهندس إنشاءات ورئيس مشروع البحث الجديد: "المادة الجديدة يمكن تصورها وكأنها فرانكشتاين بين المواد لمقاربة من جنسها." هذا اللون الاخضر يبهت ويأخذ بالتلاشي كلما جفت المادة.
سبق أنْ حاول باحثون آخرون في الماضي الجمع بين علم الاحياء وصناعة الاسمنت، خصوصاً الاسمنت القادر على إصلاح نفسه ومعالجة تشققاته، ولكنَّ الميزة المهمة التي نحصل عليها من المادة الجديدة، كما يقول مبتكروها، هو أنَّ العملية أساسها البكتريا بدلاً من الطرق الأخرى التي كانت تضاف فيها البكتريا الى الاسمنت العادي، وهو بيئة غير صالحة لحياتها ونموها. في العملية الجديدة تكون البكتريا هي عنصر البناء، وهي تبقى حية وقادرة على إنتاج المزيد من المادة في ما بعد.
 
مادة بناء حقيقيَّة
يقول "أندريا هاملتون"، الخبير في مادة الاسمنت من جامعة ستراثكلايد باسكوتلاندا، إنَّ المادة الجديدة تمثل طبقة جديدة ومثيرة من مواد البناء منخفضة الكربون.
لأجل صنع الاسمنت الحي حاول الباحثون في البداية أنْ يضعوا البكتريا الزرقاء في مزيجٍ من الماء الدافئ والرمل والعناصر الغذائيَّة. امتصت الكائنات المجهرية الضوء بسرعة ونهم وبدأت بإنتاج مادة كاربونات الكالسيوم، وشيئاً فشيئاً أخذت تربط حبيبات الرمل ببعضها. إلا أنَّ العملية كانت بطيئة، في حين كانت "داربا"، وهو اسم الجهة المشرفة على المشروع والتابعة لوزارة الدفاع، تريد أنْ يسير البناء بسرعة كبيرة. هكذا ولد الابتكار من رحم الحاجة.
كان الدكتور سروبار قد عمل في وقت سابق على مادة الجيلاتين، وهي مادة غذائية معروفة تشكل عند إذابتها في الماء وتبريدها نوعاً من الأواصر بين جزيئاتها. الشيء المهم في هذه المادة هو إمكانية استخدامها تحت درجات الحرارة المعتدلة التي لا تؤذي البكتريا الحيّة. لذا اقترح الدكتور سروبار إضافة الجيلاتين الى المزيج لتقوية النسيج الذي تبنيه البكتريا الزرقاء، وشد اقتراحه اهتمام الفريق.
استخدم الباحثون نوعاً شائعاً من الجيلاتين المتوفر في الأسواق وأذابوه في محلول مع البكتريا. وعندما صبوا المزيج في القوالب وبردوه في الثلاجة أخذت أواصر الجيلاتين بالتشكل فوفرت مزيداً من المادة الهيكلية التي ساعدت الاسمنت على النمو بشكل أقوى وأسرع.
بعد مرور يوم كامل شكّل المزيج كتلاً اسمنتية اتخذت أشكال القوالب المختلفة التي استعملت لها، ومنها مكعبات طول أضلاعها إنجان. بلغ المكعب من هذه مستوى من القوة سمح بوقوف شخص فوقه من دون أنْ يتفتت، ولو أنّ المادة بقيت ضعيفة نسبياً عند مقارنتها بمعظم أنواع الاسمنت التقليدي. أما الكتل التي من حجم علبة الأحذية فقد أظهرت مزايا تجعلها صالحة مستقبلاً كمادة بناء حقيقيَّة.
 
قدرة التكاثر
تقول "تشيلسي هيفيران" وهي طالبة في مرحلة ما بعد الدكتوراه وباحثة أساسيَّة في هذه الدراسة: "عندما استخدمنا هذا النظام لأول مرة في إنشاء بناء كبير لم نكن موقنين إنْ كان الارتقاء من الكتل الصغيرة الى هذه الكتلة الحجرية الكبيرة سوف ينجح، لأنَّ تلك كانت المرة الأولى التي نستخدم فيها هذا الحجم الذي في مخيلتنا".
عندما أحضر فريق البحث عينات صغيرة الى اجتماع مع المسؤولين من "داربا" لإجراء المعاينة الاصولية حازت المادة على إعجاب الجميع. يقول الدكتور سروبار إنَّ كل فرد من الحاضرين طلب قطعة ليضعها على مكتبه.
حين تترك الكتل في هواء جاف نسبياً ودرجات حرارة الغرفة الاعتيادية تبقى تزداد صلابة الى أن تبلغ حدودها القصوى في ظرف أيام، بعد ذلك تموت البكتريا تدريجياً. بيد أنَّ قدراً من الحياة يتبقى في الكتل حتى بعد مرور أسابيع، وإذا ما عرضت للحرارة المرتفعة والرطوبة تعود كثير من الخلايا البكتيرية الى الحياة مجدداً.
أخذت الجماعة كتلة واحدة وقطعتها الى نصفين بمنشار ذي أسنان مسلحة بالألماس ثم وضع أحد النصفين داخل اناء زجاجي فيه ماء دافئ وكمية من المواد الخام ثم أعيد صبه في قالب فبدأت عملية تكوين الاسمنت من جديد. بهذه الكيفية أمكن للكتلة الواحدة أنْ تنتج ثلاثة أجيال متعاقبة، أي ثماني كتل مشابهة للكتلة الابتدائية الأم.
أبدت وزارة الدفاع اهتماماً خاصاً بالانتفاع من قدرة التكاثر لدى "مواد البناء الحيّة" هذه لأنها ستكون مفيدة جداً في إقامة المنشآت في المناطق النائية والبيئات القاسية الوعرة. يقول سروبار: "في الصحراء مثلاً سوف يحتاج المرء الى نقل كميات ضخمة من مواد البناء بالشاحنات".
 
المواد المألوفة
كتل الاسمنت الجديد هذا تتميز بحسنة اخرى، وهي أنها يمكن إنتاجها من أنواع مختلفة ومتيسرة من المواد المألوفة. معظم أنواع الاسمنت التقليدي تتطلب الرمل الخام النظيف الذي يؤتى به من الانهار والبحيرات والمحيطات، وهذا النوع من الرمل آخذ بالتناقص في العالم عموماً بسبب الحاجة الهائلة لاستخدامه في المنشآت الاسمنتية، أما المادة الجديدة فليست على هذه الدرجة من الانتقائية. يقول سروبار: "في حالتنا لسنا مقيدين بأنواعٍ محددة من الرمل، بل يمكننا استخدام مواد كثيرة تطرح كنفايات مثل الزجاج المطحون أو حتى الاسمنت العادي المستعمل بعد إعادة تدويره".
يعمل فريق البحث على جعل المادة الجديدة أكثر عملية وأوسع استعمالاً وذلك بأكساب الاسمنت الحي قوّة أكبر ورفع مقاومة البكتريا للجفاف وجعله صالحاً لإعادة التشكيل بحيث يكون بالوسع صبه على شكل شقق مفككة يعاد تركيبها موقعياً بسهولة وسرعة، مثل الجدران الجاهزة، وكذلك العثور على أنواعٍ مختلفة من البكتريا الزرقاء قادرة على العمل من دون الحاجة الى إضافة الجيلاتين.
 
البناء في الفضاء
 أخيراً يقول الدكتور سروبار إنَّ وسائل البايولوجيا الصناعية يمكن أنْ توسع آفاق الاستخدام الى مديات دراماتيكية، مثلاً إنتاج مواد بناء ذات قدرة على تحسس وجود المواد السامة والتعامل معها، أو تضيء للكشف عن وجود أضرار. قد يساعد الاسمنت الحي ايضاً في بيئات أكثر قسوة حتى من الصحارى، والمثال على ذلك المريخ أو الكواكب الأخرى بشكل عام.
يقول الدكتور سروبار: "نحن لا نملك وسيلة لحمل كميات من مواد البناء معنا الى الفضاء، ولكننا قادرون على أخذ البايولوجيا معنا".