الجيش الأميركي يعد نفسه لحرب مع روسيا

الجمعة 14 شباط 2020 245

الجيش الأميركي يعد نفسه لحرب مع روسيا
ترجمة / انيس الصفار*
 
إبان ذروة التوترات مع إيران في السنة الماضية كانت الولايات المتحدة تجري سلسلة من التمارين والمناورات العسكرية التي لم يسبق لها نظير من قبل. فعلى مدى خمسة أشهر، من أيار حتى نهاية أيلول، أجري 93 تمريناً منفصلاً كانت القوات المشاركة خلالها تعمل بتواصل ومن دون انقطاع داخل اراضي 29 دولة وعبر اجوائها ومن حولها.
تلك التمارين، التي طبقت فيها ممارسات شملت كل شيء من التكتيكات البرية على مستوى الفوج إلى اساليب الحرب السيبرانية، لم يكن مسرحها الشرق الأوسط ولا كانت موجهة ضد طهران، بل كانت موجهة ضد موسكو، وقد مثلت أشدّ سلسلة من التدريبات والتمارين كثافة منذ نهاية حقبة الحرب الباردة.
ذلك النشاط شكل ذروة بناء الاستعدادات الذي ابتدأ عقب انتزاع روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في آذار 2014. ورغم أن القوات المسلحة الأميركية قد خاضت “حروباً ساخنة” عديدة وانغمست في ازمات نشر قواتها بمواجهة إيران وكوريا الشمالية، فإن نمط العمليات الحربية “على أرفع المستويات” كان هو المهيمن هنا. أما التركيز فقد كان منصباً بلا أدنى شك على روسيا، كذلك كان عدد التمارين الأوروبية أعلى بعشرة أضعاف من عدد التمارين المتعلقة بالصين التي أجريت في الفترة نفسها.
جاء في تقرير اللجنة البرلمانية لحلف الناتو، الصادر في شهر تشرين الأول، ما يلي: “في ظل تدهور البيئة الأمنية الأوروبية تصاعدت التمارين العسكرية، الروسية والتابعة لحلف الناتو، من حيث الحجم والمنظور على نحو ملفت للاهتمام.. بل يمكن القول على نحو دراماتيكي.” أبدت اللجنة قلقها ايضاً ازاء عدم امتلاك الناتو قوات برية كافية في أوروبا الشرقية لردع اي تدخل او هجوم تقوم به روسيا. كذلك اشارت اللجنة الى المناورات والتمارين الحربية عالية المستوى التي اجرتها موسكو من جانبها وتضمن العديد منها سيناريوهات تشمل استخدام الاسلحة النووية في حرب أوروبية.
رغم وجود نظرة تقليدية مفادها بأن روسيا هي التي تمسك بقصب السبق، تكشف الارقام الجديدة عن أن الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين هم المتقدمون على موسكو بشوط واسع. هذه العمليات المتتابعة “من عقب القدم حتى الابهام”، كما يصفها العسكريون حيث ينطلق كل تمرين من نقطة انتهاء التمرين الذي قبله، شدّدت على سرعة نشر القوات الجوية وبث القواعد المتقدمة. في السنة الماضية كان معظم التركيز منصباً على تشتيت الطائرات المقاتلة والقاذفة وعرض سمات الجغرافيا الغربية التي تعطي الافضلية، بالاضافة الى استعراض العمليات الجوية المشتركة التي تم صقلها طيلة عقدين من الحروب في الشرق الأوسط.
في الربيع الماضي تحدث الجنرال “كرتس سكاباروتي” الذي كان حينها أحد قادة حلف الناتو، امام الكونغرس قائلاً “أن من شأن هذه العمليات والتمارين تجريد اعدائنا من قدرة التنبؤ عملياتياً”، على حد تعبيره. بيد أن السؤال هو: ما هو الثمن المقابل؟ بعبارة أخرى: هل أن حلف الناتو بصدد استفزاز الطرف المقابل حد الوقوع في نفس الشيء الذي يأمل في تفاديه.. أي حرب باردة جديدة؟ أو بتعبير أدق وضع الطرفين المتقابلين على مسار يؤدي فيه تصاعد التمارين العسكرية وامتزاج القوات الى زيادة التوترات بحيث يتفتح مزيد الفرص للوقوع في خطأ الحسابات.
 
100 ألف طن من الدبلوماسية الدولية
منذ اليوم الذي وقف فيه مستشار الأمن القومي الأميركي السابق “جون بولتون” أمام المايكروفون في شهر أيار الماضي ليعلن أن قاذفات “بي52” وحاملة الطائرات “ابراهام لنكولن” قد ارسلت على وجه السرعة الى الشرق الأوسط بسبب ما وصفه بأنه “إشارات وتحذيرات تصعيدية مثيرة للقلق” من جانب إيران، كانت أوروبا ماضية بالفعل تحث الخطى لتحطيم الرقم القياسي في مستوى النشاط العسكري.
كانت الحاملة لنكولن حينها مرابطة في البحر المتوسط تعمل بمصاحبة حاملة الطائرات “جون ستينيز”، وهي المرة الأولى التي تنفذ فيها هاتان الحاملتان ومجموعتا السفن المرافقة لكل منهما عمليات مشتركة خلال عهد ادارة ترامب. في اليوم الذي أذاع فيه بولتون إعلانه كانت مقاتلات “أف أي- 18 أف سوبر هورنيت” قد طارت قاطعة مسافة تزيد على 1100 كيلومتر في موجات قصف على اهداف في رومانيا. في اليوم التالي أقلعت “سوبر هورنيت” مرة أخرى صوب مهام تقع على مسافة 1600 كيلومتر، من البحر الأيوني غرب اليونان قاطعة أوروبا الشرقية الى لثوانيا.
عند وصولها الى هناك أجرت مقاتلات القوة البحرية بالتنسيق مع محددي أهداف على الأرض تمارين على قصف أهداف لا تبعد هذه المرة عن موسكو نفسها سوى 800 كيلومتر. يومها صرح القائد البحري “ستيفن غاي” منسق التمرين قائلاً: “نظهر للعالم اليوم أننا مستعدون وقادرون على تنفيذ مهمة من داخل اجواء حلفائنا بإشعار زمني قصير.”
كان السفير الأميركي لدى روسيا “جون هانتسمان جونيور” حاضراً على متن الحاملة لنكولن خلال تلك العملية. قال هذا الحاكم السابق لولاية يوتاه معلقاً: “كل من الحاملتين اللتين تعملان في المتوسط هذا اليوم تمثل 100 ألف طن من الدبلوماسية الدولية.”
ما ان فرغت الحاملة لنكولن من عملية محاكاة “قصف روسيا” حتى ألغت زيارة كانت مقررة لها الى ميناء في كرواتيا لتبحر متوجهة صوب منطقة الخليج. وعندما كانت تشق العباب جنوباً عبر قناة السويس لتدور حول شبه الجزيرة العربية وتتخذ موقعها المحدد قبالة الساحل الإيراني كان حلف الناتو يجري سبع مناورات حربية منفصلة على الأقل هي: “السهم” و”الهدف الجسور” في فنلندا، “عاصفة الربيع” في استونيا، “الترس المرعب” قبالة ساحل سكوتلاندا، “الرد الفوري” في كرواتيا وهنغاريا وسلوفينيا، “سيربيروس السابع المسروق” في اليونان، و”إرساييس” في تركيا. خلال هذين الاسبوعين وصلت الى بريطانيا 12 طائرة مقاتلة من طراز “أف 16 سي” منطلقة من قاعدتها في فلوريدا وفي الوقت نفسه وصلت الى شمال إيطاليا احدث النفاثات من طراز “أف 35 لايتننغ 2” منطلقة من يوتاه، وهذه الأخيرة تشارك للمرة الأولى.
لم تلغ أو تؤجل أي من عمليات الانتشار الأوروبية بسبب الاحداث المتعلقة بإيران، وفقاً لما قاله مسؤول رفيع المستوى في القيادة الأوروبية لم يخول بالحديث امام الاعلام. والطائرات الأميركية لم تكن تعمل بمفردها قرب المجال الجوي الروسي، فبدءاً من شهر إيار كانت هناك قوات جوية تابعة لتسع دول من اعضاء حلف الناتو قد ارسلت الى قواعد متقدمة في دول البلطيق وبولندا ورومانيا للقيام بمهام “الحراسة الجوية”.
التمارين وعمليات النشر المذكورة أخذت مجراها تحت مظلة برنامج للبنتاغون أطلق عليه اسم “مبادرة الردع الأوروبية”. بدأ العمل بهذه المبادرة في اعقاب ازمة القرم، حيث أسس حلف الناتو حضوراً برياً متكاملاً له في دول البلطيق الثلاث وبولندا، كما رفع مستوى الدفاع الجوي في البلطيق وجنوب شرق أوروبا وآيسلندا، وعجل سرعة الانتشار الجوي من الولايات المتحدة وفق برنامجين اطلق عليهما “ضمان القاذفات” و”أمن المسرح”.
في شهر آذار الماضي طلبت إدارة ترامب تمويلاً لـ”مبادرة الردع الأوروبية” مقداره 5,9 مليار دولار وهذا انخفاض نسبته 10 بالمئة عن السنة الماضية (الأمر الذي يرى فيه بعض المراقبين دلالة على شيء من الليونة يبديها “دونالد ترامب” تجاه روسيا). وقد وصف الجنرال “كرتس سكاباروتي” التهديد الروسي لأوروبا بأنه “حقيقي ومتنام” حسب تعبيره، مضيفاً في حديث أمام الكونغرس بأنه ليس مطمئناً بعد الى موقف الردع في القارة الاوروبية.
بيد أن نائبة المراقب في البنتاغون “إيلين مكوسكر” قالت في لقاء مع مراسلي الوكالات: “هذا الذي نشهده إنما يمثل ارتفاع مستوى المشاركة في تحمل الاعباء”، مرددة ما سبق أن قاله الرئيس في مناسبات عديدة بأن على الأمم الأوروبية تحمل المزيد من نفقات دفاعها. اضافت مكوسكر أن هذا هو السبب الفعلي الذي أدى الى خفض العبء المالي عن أميركا.
عند العودة الى الدقائق والتفاصيل لا نجد اي تقليص حقيقي في النفقات، لأن الخفض الحاصل قد جاء نتيجة تكامل الاستعدادات والبناء والتكاليف الاخرى التي تنفق مرة واحدة فقط. جعل هذا وضع “مبادرة الردع الأوروبية” تستقر عند مستوى ثابت، في حين ارتفعت المبالغ المخصصة للتمارين والتدريب واقعاً الى اكثر من ضعفين عما كانت في السنة الماضية، وذلك من 291 الى 609 ملايين دولار.
في 4 كانون الأول، وبعد ثمانية أشهر ماراثونية قضتها في الشرق الأوسط، اجتازت الحاملة “ابراهام لنكولن” مضيق هرمز عائدة الى الوطن. كانت ازمة إيران لا تزال في أوجها وعلى وشك التأجج أكثر باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني بعد ذلك بشهر. كذلك كانت قوة الانتشار المرسلة لمواجهة الازمة، التي أعلن عنها بولتون في حينها .. وهي ست قاذفات موزعة على مجموعتين، قد أنهت ما كلفت به وعادت، كما كان فوج المارينز قد غادر المنطقة هو ايضاً. أما قوات الطوارئ المنتشرة براً، والتي يقل عديدها عن 10 آلاف جندي، فقد تركز معظمها في وحدات باتريوت الصاروخية للدفاع الجوي. اذ بقيت التعزيزات الجوية التي ارسلت لمؤازرة سرب طائرات الحاملة لنكولن في مسرح العمليات هي كل ما تبقى من قوة بمواجهة التحركات الإيرانية، وقوامها ثلاثة اسراب من طائرات “أف 15 إي إيغل سترايك” و”أف 35 أي لايتننغ 2” و”أف 22 رابتور”.
خلال الفترة نفسها كانت تسعة اسراب من المقاتلات الأميركية قد نشرت في أوروبا للقيام بتمارين حربية ضد روسيا، وفقاً لما جاء في وثائق البنتاغون. وخلال الاسبوع الثالث من شهر حزيران، عندما اسقطت إيران طائرة مسيرة أميركية، كان التمرين المسمى “نسر الاناضول” ماضياً بكل زخمه في منطقة كونيا بتركيا. ورغم أن تركيا مجاورة لإيران فإن ذلك التمرين، الممول من “مبادرة الدفاع الأوروبية”، كان منصباً بالكامل على المنظور الأوروبي من اهتمامات حلف الناتو. عندما اصيبت ناقلتا نفط بالالغام اللاصقة في الخليج كانت هناك عناصر من القوات الخاصة تابعة لعشر دول تعمل متسللة في السرّ كجزء من تمرين اطلق عليه اسم “أثر القدم الطروادية 19” وهو تمرين يجري عبر بلغاريا وهنغاريا ورومانيا والبحر الأسود. أما في البحار الشمالية فقد جمع التمرين المسمى “عمليات بالتوبس” اليه 50 سفينة و40 طائرة تعود لـ 18 دولة اعضاء في الناتو، بالاضافة الى السويد وفنلندا. كانت هناك آنذاك سبعة تمارين يقوم بها حلف الناتو من بينها “الذئب الحديدي” في لثوانيا، و”التنين 19” في بولندا و”الرد الخاطف” في كرواتيا وبلغاريا ورومانيا، و”رد الضربة” و”السيف الحامي” في بلغاريا.كان هناك على وجه الاجمال اكثر من 50 ألف عنصر من الكوادر العسكرية التابعة لحلف الناتو والحلفاء تنشط متحركة ضد روسيا، بينما نشرت القوة الجوية الأميركية مقاتلاتها من طراز “أف 35” في فنلندا والنرويج لأول مرة. انضمت الى هذه الطائرات قاذفات “بي 52”، وقاعدتها الاصلية في لويزيانا ولكن جرى تحويل نشرها من انكلترا، لتنفيذ طلعات تحاكي قصفاً ضد روسيا فوق منطقتي بحر البلطيق والبحر الاسود في تزامن واحد.
مع انتهاء “عمليات بالتوبس” انطلق في المياه النرويجية المتجمدة تمرين أطلق عليه “النمس النشيط”، وهو تمرين “من عقب القدم حتى الابهام”. انطلق في البحر الاسود أيضاً التمرين المسمى “نسيم البحر” لتعزيز تمرين “النمس النشيط”. وحين كانت أوكرانيا على كل لسان في واشنطن بسبب جلسات العزل المنعقدة في مجلس النواب كانت هناك 32 سفينة و24 طائرة تابعة لـ 19 بلداً تعمل في تلك الدولة المطلة على البحر الاسود وما حولها.
كل هذا لم يكن يجري من دون رد مقابل من روسيا. ففي أسبوع إعلان بولتون بشأن إيران اعترضت طائرة حربية تابعة للاتحاد الروسي، كانت تطير وهي تغلق اشارة الاستجابة (ترانسبوندنت سغنال)، مقاتلة هنغارية تعمل في لثوانيا. أرسل الروس قاذفات قنابلهم أيضاً لتطير بمحاذاة الساحل الغربي لآلاسكا وجزر ألوتيان، وفي نهاية شهر أيار صرح وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” أن موسكو تشعر بالقلق من تصاعد نشاطات حلف الناتو بالقرب من حدودها.
كذلك أورد تقرير لوكالة “تاس” الروسية للانباء أن عدد حالات اعتراض الطائرات الروسية قد ازداد عشر مرات خلال السنوات الثلاث الماضية، في حين ازدادت حالات الاقلاع الطارئ المستعجل لطائرات حلف الناتو بنسبة 300 بالمئة، وفقاً لوثائق سرية تابعة للقوة الجوية الأميركية. فعندما مرقت طائرة روسية من طراز “سوخوي 24 فينسر” المقاتلة القاذفة على مسافة خطرة من احدى سفن البحرية الاسبانية العاملة في بحر البلطيق أصدر حلف الناتو مذكرة احتجاج شديدة.
مع موسم انطلاق التمارين في شهر أيار تسلم “تود وولترز”، الجنرال في القوة الجوية، مهام قيادة حلف الناتو بدلاً من الجنرال سكاباروتي، وكان من بين أول ما قام به هو الالتقاء برئيس قيادة الاركان الروسي الجنرال “فاليري غيراسيموف” للتباحث بشأن “تجنب وقوع نزاع” في خضم كل تلك النشاطات العسكرية. وقبل أيام قليلة من حادثة السفينة الاسبانية تحدث وولترز الى مراسلي الوكالات فقال: ان “نشاطات الردع الأميركي”، كما وصفها، قد خففت من السلوك الروسي، وان السلوكيات الروسية البعيدة عن المهنية قد انحسرت.عاد الجنرالان فعقدا لقاء ثانياً بينهما في العاصمة الاذربيجانية باكو في 10 تموز وتبادلا حديثاً أكثر تعقلاً وانفتاحاً، كما يقول مسؤولون عسكريون مطلعون على المحادثات.
 
وليام آركن/عن مجلة نيوزويك