حكاية من الارجنتين

السبت 15 شباط 2020 221

حكاية من الارجنتين
ترجمة / عادل العامل
 
 كانت هناك امرأةٌ تأتي في كل صيف إلى البلدة وتبقى الفصلَ كله هناك. ولم تكن طويلة القامة بل نحيفة جداً جداً. وكان جلدها يشبه النحاس الصَّدئ، ولامعاً لكنه مجعَّد كثيراً، ربما لكثرة تعرّضها لأشعة الشمس خلال الصيف. وكانت نظرتها عميقة وقاتمة، كأنها تُخفي نوعاً ما من السلوك العدواني داخل عينيها اللتين تغيّران لونهما حسْبَ وقت النهار.
وكانت ترتدي على الدوام التنّورة الكبيرة المتعددة الطبقات نفسَها، وطاقيّة مغبرة مغسولة وريبوزو rebozo متجعّد ملفوف حول كتفيها، وكانت تُرى دائماً ومعها كلبٌ عجوز من نوعٍ رديء.وكانت تقوم، في كل عام، بالشيء نفسه تماماً، فتجلس على جانب من الطريق تحت شجرة خرنوب قديمة تزهر بطريقة سحرية كما يبدو مع وصولها إلى هناك وتذبل عندما تذهب. وكانت تجلس هناك وهي تدخّن لفائف سيجار كبيرة وتحكي قصصاً قديمة لأطفال المنطقة. فكان الصغار يحبّون حكاياتها الهندية وينجذبون إليها. 
كانت تتكلم ببطءٍ، من دون أن تنظر إلى الدائرة المتنوعة من الأطفال الصغار، وكان هؤلاء يجدون في صوتها عالماً من المعتقدات الخرافية والقرون التي مضت الآن. وكان بوسع الناس القول إنها كانت تستمتع بذلك، كما لو انها كانت تتذكر بعض النوادر القديمة وذكريات الطفولة. وكانت تعرف كلَّ واحد من الصغار بالاسم وتعطف عليهم كثيراً. ولم تكن تحب الكبار، ولا تكلّمهم أبداً تقريباً وتنظر إليهم على الدوام "نظرةً شريرة" معيّنة، كما كان البعض يقول. وكانت تكلمهم فقط لتبيعهم ما تحمل معها من كُتَل ذهبية في كل صيف. وكانت نقول إنها تجمعها من حفرة قريبة تستطيع وحدها العثور عليها.
وذات يوم وصلت جماعة من الأسبان إلى المدينة. وسرعان ما علموا بالقصة المتعلقة بتلك المرأة العجوز وكُتَلها الذهبية. فلم يستطيعوا مقاومة الإغراء وراحوا يتبعونها في الظلام من أجل العثور على الحفرة التي ستجعلهم أغنياء والاستحواذ على الذهب كله. لكنهم، بدلاً من ذلك، وجدوا كلب ماريانا، وقد تحول إلى مخلوق شيطاني بأنفاسٍ مثل النار وعينين حمراوين نفّاذتين. وهكذا استدار الرجال وبدأوا يركضون محاولةً منهم للهرب من الوحش وهم يسمعون ما بشبه الضحك يأتي من 
خلفهم.
وفي تلك الليلة نفسها ضربت هزة أرضية كبيرة مدينة بوسيتو ولم يرَ أحدٌ ماريانا بعدها أبداً مرةً أخرى، ولا كلبها، ولا كُتَلها الذهبية. 
وتقول الأسطورة : إن الأسبان لم يعودوا أبداً. وبعد أسابيع عدة عُثر على واحدٍ منهم فقط. وقد أصبح رجلاً مجنوناً يتحدث عن أساطير قديمة، وكلاب شيطانية، وكهوف سحرية لامعة، وعن ملكة جميلة، أجمل امرأة رآها على الإطلاق. 
ومن ذلك اليوم فصاعداً راح كثيرون يبحثون عن الحفرة التي يمكن أن توجد فيها الكُتَل الذهبية، لكن أحداً لم يجدها أبداً. وقد أُطلق على المدينة اسم "الحفرة الصغيرة"، ولايزال الكثيرمن الناس اليومَ يحلمون بالعثور عليها وبأن يصيروا أغنياء جداً جداً. مَن يدري؟ 
ربما سيجدها شخصٌ ما في يومٍ من الأيام.
•حكاية شعبية من الارجنتين