{جاسم المطير}.. في ذاكرة الشعر

الثلاثاء 18 شباط 2020 322

{جاسم المطير}..  في ذاكرة الشعر

ريسان الخزعلي

 
 
كانت جريدة / الراصد / البغدادية، وهي جريدة إسبوعية عامة صدرت بداية سبعينيات القرن الماضي، تتميز بالكثير من المزايا الصحافية التي جعلت منها جريدة  واضحة الانتشار، ومن بين تلك المزايا تنوّع موادّها الثقافية والأدبية والفنية 
والعامة. 
وكان الأستاذ  جاسم المطير ، وهو كاتب وقاص معروف، يعمل سكرتيرَ تحرير فيها . وقد نجح في اقناع رئيس التحرير الروائية عالية ممدوح ، وكذلك صاحب الجريدة السيد مصطفى الفكيكي، بضرورة تخصيص صفحة مستقلة للفولكلور والشعر الشعبي بإشرافه المباشر.
كانت الجريدة تصدر صباح كل يوم أحد ، وكانت تنفد قبل منتصف النهار ، بعد أن رَسَخت هذه الصفحة في الجريدة، واستقطبت الكثير من الشعراء الشعبيين وبخاصة التقدميين منهم ، وكذلك بعض المهتمين بالفولكلور والكتابة عن الشعر الشعبي العراقي الحديث .
كان الأستاذ المطَير بارعاً في ادارة الصفحة، من حيث:  تنوّع المواد، القصائد المهمّة لكبار الشعراء، الدراسات النقدية الجديدة غير المسبوقة في مجال الشعر الشعبي، الحوارات الرصينة مع الشعراء المجددين الذين تركوا بصمات واضحة في مسيرة التجديد 
والتحديث. 
كما استطاع أن يكشف عن مواهب شعرية جديدة شبابية مازال أصحابها يواصلون حضورهم حتى يومنا هذا . وهكذا توسّع انتشار الجريدة من خلال صفحة الفولكلور والشعر 
الشعبي .
المهم في إشارتي هذه، هو ما استطاع أن يقوم به المطَير من دور تاريخي ، ابداعي في مسيرة الشعر الشعبي العراقي الحديث وتحولاته الفنية والجمالية، حيث لفتَ الانتباه بوضوح وشجاعة الى دور الشعراء التقدميين وأصدقائهم في ريادة هذا اللون الابداعي، كما هو الحال مع الفنون الابداعية الأخرى، واستطاع أن ينشر قصائد لامعة ودراسات ناضجة، ما كان يجرؤ على نشرها غيره في تلك السنوات، وبذلك جعل الوسط الثقافي (المترفّع !) في تعامله مع ظاهرة الشعر الشعبي العراقي الحديث أن يتحسب لهذا الفعل الجديد الصادم، وقد تعرّض لتساؤلات ومماحكات كثيرة من بعض المتخرصين والمترفعين الذين يتجاهلون التاريخ النفسي والاجتماعي والروحي والذوقي للشعب العراقي؛ حتى أنَّ الموضوع أصبح يؤرق السلطة يومذاك نتيجة لهذا العمل الذي جاء به المطَير، مما اضطرها لاحقاً الى منع نشر الشعر الشعبي في الصحافة وتضييق مساحة تداوله . 
وللدقة والأمانة نقول: هنالك من واصل العمل بعده في الجريدة بالاهتمام ذاته (د. سعيد جاسم الأسدي، حبيب الأسدي، عادل العرداوي ) وللأخير أكثر من فضل تجاه الشعر 
والشعراء .
أُغلقت الصفحة بالكامل منتصف السبعينيات، وأصبح الطريق سالكاً الى (طريق الشعب) حيث صفحة الأربعاء المكرّسة للشعر الشعبي، والتي أصبحت البديل النوعي المكافئ طيلة الفترة 1974 - 1978 وكذلك جريدة ( الفكر الجديد) 
الإسبوعية.
إنَّ استحقاق الوفاء يُحتّم علينا الإشارة والإشادة لما قام به الاستاذ جاسم المطير من دورٍ في احتضان ظاهرة الشعر الشعبي العراقي الحديث، وبما يعكس انحيازه الفكري والطبقي والفني، من أجل إبداع يرتبط بحياة الناس ويشتبك مع أعصابهم شعراً وغناءً ومسرحاً وأوبريتاً. 
تحية له وهو في منفاه الاضطراري، آملين أن يتجاوز وضعه الصحي غير المريح.