ما قاله جبرا

الثلاثاء 18 شباط 2020 230

ما قاله جبرا

نوزاد حسن

 
 بين حين وآخر أعود لقراءة مقال كتبه جبرا ابراهيم جبرا، العام 1984، بعنوان "بغداد في سباق زمني" منشور في كتابه العقل والحلم والفن، الصادر عن دار الشؤون الثقافية. ما يثير انتباهي في هذا المقال، هو ذلك الإحساس القوي الذي شحن جبرا كلماته به. وفي كل مرة أعيد قراءة المقال أقول لنفسي إنّني لست كائنا سياسيا بالكامل، فمع ضغط السياسة بكل تفصيلاتها اليومية القاسية، يبقى هناك أمل أو تفاؤل بالغد أجده في كلمات جبرا عن بغداد.
  أظن أنّي أجري، الآن، نوعا من المقايضة المؤقتة بين ما قاله جبرا، وما أودّ قوله عن كل ما يقال في هذه الأيام عن تشكيل الحكومة التي ينتظر الكل ولادتها.
  سأُركّز على مقال جبرا الثمانيني، أو على حلمه الذي توقّع أن يتحقق خلال ربع قرن من الزمن، ولم يكن كلامه سوى رسالة مهمة جدا للقارئ وللسياسي معا، فهناك مدن يمكن أن تكون ملهمة للإنسان إلى درجة كبيرة، وبغداد من هذه المدن. وعلى هذا الأساس، أعاد جبرا سيرة المدينة بعد أن نظّم الرحلة التاريخية التي بدأت قبلها بظهور مدينة بابل حتى بناء بغداد كوريثة شرعية لبابل التي شعّت علما وثقافة على العالم.   ما أود التركيز عليه، الآن، هو هذه الرؤية السياسية لعلاقة بغداد بكل ما قبلها.
   إذاً، الرسالة الواضحة التي أرسلها جبرا تقول إنّ المدن الفاضلة لا توجد بمجرد أن نفكر بها. التفكير لا يصنع مدينة حقيقية. كما أن التفكير والجدل لا يصنعان ديمقراطية. ما يصنع المدن الحقيقية هو الإحساس الحقيقي بالانتماء وكأن هذه المدينة  تمنحنا هوية جديدة تعكس روحها التي تجمع بين خفة روح الشعر وطيشه، وبين ابتسامة الفقيه ورجل الشريعة.   أفكر، الآن، ببغداد كما أفكر بلوحة لن تعوض إذا تعرضت للسرقة. ومن الممكن سرقة أيّة مدينة إن قتلنا روح الاختلاف فيها، وبغداد هي جنّة الاختلاف كما أرى، وعليها أن تبقى كذلك.
  توقّع جبرا أنّ سكان عاصمة العراق سيصل إلى تسعة ملايين شخص حالها حال العواصم الأوروبية، وتساءل: إنّ هذه الملايين من البشر ما الذي سيفعلونه كل يوم، وما الذي سيصنعون، وماذا سيكتبون ويقرؤون؟ يجيب: إنّهم سيقومون بالإبداع والنضارة والوهج.
  وعلى الرغم من أنّ جبرا لم يتحدث إلّا عن طاقة الملايين التي ستولد، وقد ولدت فعلا، فأظنّه أحسَّ، قبل أكثر من ثلاثين سنة، بهذا الحراك الذي يبحث عن تصحيح مسار العملية السياسية. فهل هناك ما هو أكثر توهّجا من هذه الاحتجاجات السلمية المطالبة بمحاربة الفساد والمحاصصة.
  لا أظن أن رؤية جبرا في العام 1984 هي مجرد وجهة نظر عادية لمثقف أحبّ أن يتسلّى فكتب ما كتب، إنّه كان يعني ما يقول. وفي السياسة يحدث، دائما، بتر للحقب التاريخية إذ تلغي الفترة اللاحقة الفترة السابقة. لكن جبرا خاطبنا قبل عقود أن ننتبه إلى عظمة بغداد، ولعلها رسالته الى جميع السياسيين أن ينتبهوا لهذه المدينة الساحرة.