التطهير العرقي ضد مسيحيي فلسطين

الأحد 23 شباط 2020 160

التطهير العرقي ضد مسيحيي فلسطين
رمزي بارود*  
ترجمة: مي اسماعيل 
تتناقص أعداد مسيحيي فلسطين بتسارع مقلق؛ إذ بات أفراد أقدم مجتمع مسيحي في العالم يغادرون الى أماكن اخرى؛ والسبب هو اسرائيل.. فقد دق قادة مسيحيون من فلسطين وجنوب أفريقيا ناقوس الخطر أثناء مؤتمر عقد في جوهانسبيرغ بتاريخ 15 تشرين الاول من العام الماضي، تحت عنوان: "الأرض المقدسة: منظور فلسطيني مسيحي". وكان الموضوع الرئيس الذي فرض حضوره على الاجتماعات الاعداد المتناقصة سريعا للمسيحيين الفلسطيين هناك. 
هناك تقديرات متباينة لعدد المسيحيين الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون هناك اليوم، مقارنة بحقبة ما قبل سنة 1948؛ أي قبل اعلان تأسيس دولة اسرائيل فوق المدن والقرى الفلسطينية. وبغض النظر عن مصدر الدراسات المختلفة؛ فهناك إجماع على أن عدد السكان المسيحيين في فلسطين قد انخفض بنحو عشرة أضعاف خلال السبعين سنة الماضية.
 
أزمة ديموغرافية
كشف تعداد سكاني قام به الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني سنة 2017 أن هناك نحو 47 ألف مسيحي فلسطيني؛ مع الإشارة إلى الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية وقطاع غزة. يعيش نحو 98 بالمئة منهم ضمن الضفة الغربية، متركزين عموما في مدن رام الله وبيت لحم والقدس، بينما يقطن الباقون (وهم مجتمع مسيحي صغير يبلغ تعداده نحو ألف ومئة شخص فقط) قطاع غزة 
المحاصر. واليوم تختمر الأزمة الديموغرافية التي ابتلي بها المجتمع المسيحي الفلسطيني منذ عقود مضت؛ فعلى سبيل المثال- كان سكان مدينة بيت لحم (موطن ولادة السيد المسيح عليه السلام) قبل سبعين سنة أغلبية مسيحية تقدر بنحو 86 بالمئة. لكن ديموغرافية المدينة تحولت بشكل أساسي؛ خاصة بعد الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية في حزيران 1967، واقامة جدار الفصل العنصري غير الشرعي، ابتداء من سنة 2002. كان الهدف من بعض أجزاء الجدار عزل مدينة بيت لحم عن القدس وعن باقي أجزاء الضفة الغربية. 
تقول منظمة "افتحوا بيت لحم"، واصفة التأثير المدمر للجدار على المدينة الفلسطينية: "يطوق الجدار العازل بيت لحم بمساره جنوب القدس الشرقية، نحو الغرب والشرق. 
وهكذا، ولعزل الأراضي بفعل وجود الجدار ومصادرتها لاقامة المستوطنات، وللإغلاق تحت شتى الذرائع؛ لم يبق سوى نحو 13 بالمئة من منطقة بيت لحم مفتوحا لتواجد الفلسطينيين".  
ولكونهم محاصرين بشكل متزايد؛ تم طرد مسيحيي بيت لحم من مدينتهم التاريخية بأعداد كبيرة. 
ووفقا للسيدة "فيرا بابون" الرئيسة السابقة لبلدية بيت لحم فقد تناقصت أعداد المسيحيين (منذ سنة 2016) الى 12 بالمئة فقط؛ أي نحو أحد عشر ألفا فقط. بينما تشير التقديرات الأكثر تفاؤلاً إلى أن العدد الإجمالي للفلسطينيين المسيحيين في كامل أجزاء فلسطين المحتلة أقل من اثنين بالمئة. 
 
لا خلاف مع المسلمين
لا تغيب العلاقة بين تناقص عدد السكان المسيحيين في فلسطين وبين الاحتلال الإسرائيلي والفصل العنصري؛ فهي واضحة للفلسطينيين المسيحيين والمسلمين على حد سواء. أجرت جامعة "دار الكلمة" بمدينة "بيت جالا- الضفة الغربية" دراسة جرى فيها مقابلة نحو ألف فلسطيني نصفهم من المسيحيين والنصف الآخر من المسلمين وطُبعت سنة 2017؛ وكان واحدا من أهدافها فهم أسباب تناقص أعداد المسيحيين في فلسطين. خلصت الدراسة الى أن.. "ضغط الاحتلال الاسرائيلي والقيود المستمرة وسياسة التمييز والاعتقالات العشوائية ومصادرة الأراضي عوامل أضيفت الى الاحساس بفقدان الامل بين المواطنين الفلسطينيين المسيحيين؛ الذين وجدوا انفسهم في موقف يائس إذ لم يعُد بامكانهم لمس مستقبل مقبول لأولادهم ولا
لأنفسهم".  
بذا يمكن القول أن الادعاءات حول مغادرة المسيحيين بسبب التوترات الدينية بينهم وبين جيرانهم المسلمين أمر لا صحة له.
غزة مثال آخر على ذلك؛ ففي ذلك القطاع المحاصر الفقير لا يعيش سوى اثنين بالمئة من المسيحيين الفلسطينيين. 
عندما احتلت اسرائيل القطاع (مع باقي المناطق التاريخية الفلسطينية سنة 1967)، كان ما يقدر بنحو 2300 مسيحي يعيشون هناك. لكن اليوم لم يبق سوى 1100 منهم؛ وهذا ما سببته سنوات من الاحتلال والحروب المروعة وحصار لا يرحم تجاه المجتمع المسيحي؛ الذي تمتد جذوره التاريخية نحو ألفي عام. 
وكما هو حال مسلمي غزة؛ يعيش المسيحيون ظروف انقطاع عن العالم؛ ومنها المواقع المقدسة بالضفة الغربية. يقدم مسيحيو غزة كل عام طلبا الى السلطات العسكرية الاسرائيلية للانضمام الى مراسيم عيد القيامة في القدس وبيت لحم. خلال شهر نيسان من العام الماضي لم تمنح الموافقة الا لمئتي شخص؛ بشرط أن يكونوا قد تجاوزوا الخامسة والخمسين أو أكثر من العمر، ولم يُسمح لهم بزيارة مدينة القدس. 
وصفت منظمة "غيشا-Gisha" (= منظمة إسرائيلية لحقوق الإنسان، تأسست عام 2005 هدفها حماية حرية حركة الفلسطينيين، وخاصة سكان غزة. المترجمة) قرار الجيش الاسرائيلي بأنه.. "مزيد من الانتهاك لحقوق الفلسطينيين الاساسية، بحرية الحركة والديانة والحياة العائلية"، واتهموا اسرائيل (بحق) بمحاولة.. "تعميق الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة". 
 
الاجندة الاسرائيلية
تهدف اسرائيل لتحقيق ما هو أكثر من ذلك؛ فبتفريق المسيحيين الفلسطينيين عن بعضهم البعض وعن مواقعهم المقدسة (مثلما جرى مع المسلمين أيضا) تأمل الحكومة الاسرائيلية بإضعاف الروابط الاجتماعية- الثقافية والروحية التي تعطي للفلسطينيين هويتهم الجماعية. 
تستند استراتيجية إسرائيل على فكرة أن مجموعة من العوامل (منها- المصاعب الاقتصادية الشديدة والحصار المستمر والتفرقة وقطع الاواصر الشعبية والروحية) سيدفع جميع المسيحيين في النهاية لمغادرة موطنهم فلسطين. 
وتحرص إسرائيل على تقديم "النزاع" في فلسطين بصبغة النزاع الديني ليتسنى لها بدورها أن تقدم نفسها بصورة الدولة اليهودية المحاصرة وسط أعداد هائلة من المسلمين في الشرق الاوسط. وهكذا فان الوجود المستمر للمسيحيين الفلسطينيين لا يمثل جانبا حسنا في تلك الأجندة الاسرائيلية. 
للأسف نجحت اسرائيل بتحريف طبيعة النزاع في فلسطين؛ من كونه النضال السياسي وحقوق الإنسان ضد الاستعمار الاستيطاني الى تصويره بشكل نزاع ديني. ومن المقلق أيضا و بالقدر نفسه أن أنصار إسرائيل الأكثر تحمسًا في الولايات المتحدة وأماكن أخرى هم من المسيحيين المتدينين. 
يجب أن يكون مفهوما أن المسيحيين الفلسطينيين ليسوا غرباء ولا مراقبين عابرين في فلسطين؛ وقد كانوا ضحايا بقدر ما كان المسلمون، ولعبوا دورا رئيسا في تعريف الهوية الفلسطينية الحديثة؛ بمقاومتهم وروحانيتهم وعمق اتصالهم بالأرض، وبمساهماتهم الفنية وبحوثهم العلمية المزدهرة.
لا يجب السماح لإسرائيل بإبعاد أقدم مجتمع مسيحي في العالم عن أرض أجدادهم ليتسنى لها تسجيل بضع نقاط في حملتها المزعجة للغاية للتفوق العنصري. وعلى القدر نفسه من الأهمية يجب علينا فهم الصمود الفلسطيني الاسطوري والتلاحم الذي 
لا يكتمل من دون التقدير التام لمركزية الوجود المسيحي الفلسطيني لاستمرار السرد والهوية الفلسطينية الحديثة.
 
* رمزي بارود- صحفي مستقل ومؤلف كتاب "الأرض الأخيرة: قصة فلسطينية". 
موقع "كاونتربانتش" (Counter Punch) (= نشرة أخبارية نصف شهرية تصدر في الولايات المتحدة، بطابع سياسي واسلوب شعبي وهي ذات مواقف راديكالية.