التفكير خارج السلالة الفلسفية الأوروبية

الاثنين 24 شباط 2020 202

 التفكير خارج السلالة الفلسفية الأوروبية

لم يكن المفكر الأميركي (الإيراني) حميد دباشي يتوقع أن يثير سؤاله كل ذلك الجدل في الأوساط الفلسفية الأوروبية والأميركية. الذي ألقاه على سبيل (المزحة الفكرية)  هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟ ففي مطلع العام 2013 نشر مقال في المواقع الكترونية ، وأثار زوبعة من النقاش وصلت حد دفع واحد من أشهر فلاسفة أوروبا المعاصر وهو سلافوي جيجك، ليرد على فيلسوف أوروبي يدافع عن طرح دباشي بمقال عاصف.

 تطوير (السؤال الاستفزازي)  الى كتاب صدر مؤخرا عن منشورات المتوسط ، بترجمة عماد الأحمد بعد صدوره بالانجليزية. في الكتاب  يتنـاول دباشي موضوع ثلاثية الانتفاضة وجغرافيا التحرر المعاصرة . والاحتجاجات أو الثورات التي عمت العالم العربي ، منذ نهاية العام 2010، واصطُلح على تسميتها (بالربيع العربي). ومحورها  هل يستطيع المفكرون الذين يشتغلون خارج السلالة الفلسفية الأوروبية التفكير؟
ويجادل الفكر الأوروبي من موقع القوة بعد تفكيك تلك المركزية في هذا الكتاب  الذي هو مجموعة نادرة من التأملات التاريخية والنظرية حول العلاقات بين الشرق والغرب ودور الفلسفة في مناقشة القضايا الإنسانية وفضح النظام الكولونيالي الأوروبي للمعرفة ، ونجد دباشي، (استفزازيا مشاكسا، ومتحديا عنيدا. يدرس الطريقة التي يستمر من خلالها النقاشُ الفكري في ترسيخ نظام كولونيالي للمعرفة، مستندا إلى سنوات من الدراسة والنشاط، ليقدم في كتابه هذا مجموعة حصيفة من الاستكشافات الفلسفية التي تثير الحفيظة والفرح على حد سواء). يتكون الكتاب من ثلاثة أقسام، وهي على التوالي: (في الربيع ونتائجه)، ثم (من التفكيك الكولونيالي إلى التفكير في المستقبل)، وأخيرا (قراءة أولية في أزمة المعارضات العربية)
 
سيرة مفكر عالمي 
ولد المفكر حميد دباشي في إيران، وحصل على درجة الدكتوراه المزدوجة في علم اجتماع الثقافة والدراسات الاسلامية من جامعة بنسلفانيا، تلتها زمالة ما بعد الدكتوراه من جامعة هارفارد. وهو يحمل ثقافة عربية كونه ولد في إقليم الأحواز ما مكنه استيعاب الشرق ثقافيا وحضاريا لينتقل مبكرًا للدراسة في أميركا ويتحول من خلال جهوده الفكرية إلى واحد من ألمع المفكرين الشرقيين في أميركا. أستاذ كرسي هاكوب كيفوركيان قسم الدراسات الإيرانية والادب المقارن في جامعة كولومبيا، كتب وحرر العديد من الكتب، منها(إيران والحركة الخضراء والولايات المتحدة الأميركية) و(الربيع العربي- نهاية حقبة ما بعد الاستعمار) (منشورات المتوسط)، و(ما بعد الاستشراق- المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب) (منشورات المتوسط)، (لاهوت التحرير الإسلامي: مقاومة الامبراطورية) و(مخملبوف في كل مكان: صناعة مخرج الأفلام المتمرد)  بالإضافة إلى العديد من الفصول، والمقالات، والمواد ومراجعات الكتب. ولديه أيضا اهتمام بالسينما والفنون ويعد دباشي ناقدا ثقافيا عالميا ومعلقا سياسيا دائما وبالإضافة إلى عمله في مهنة التدريس كما أنه ناشطٌ فعال في مجال مناهضة الحروب.
 
البشرات السمراء بأقنعة بيضاء
يخبرنا فرانز فانون أن المستعمِر يجعل المستعمر ضعيفا وهزيلا أمامه، ويجعله دائم التشبه به، ويحاول أن يكونه مثله، ( أن المثقفين ذوي البشرة السمراء تقنعوا بالأبيض لتبنيهم ثقافة الاستعمار ،حميد دباشي يطلق عليهم  تسمية (المثقف الكمبرادوري) وهو المثقف المساند للامبريالية الأميركية، لكنه ساكن في قلب الإمبراطورية الأميركية او المستوطنات الاوروبية  اي انه ليس في بلده الاصلي، كالمثقف التقليدي، (عاش وتعلم هناك، ويمسك بمنصب تعليمي أو إداري أو استشاري او هم (مخبرون محليون) كما يقول  دباشي لدى الإمبريالية الاميركية والاوروبية ، حيث يمارسون التخطيط الستراتيجي، إنهم كارهون للذات ذاتهم (العالم الثالثية ) وماضيهم، ويعتقدون ان التنوير والعقلانية والاستنارة تكمن في هيمنة الغرب على بلدانهم، وظيفتهم تشويه سمعة ثقافتهم كما يقول دباشي. ويحدد إن دور المخبرين المحليين والمثقفين الكمبرادوريين ( كآذار نفيسي وفؤاد عجمي، هو تقديم أرشيف عن المكان الأصلي الذي أتوا منه للادارة الاميركية، وهذا الأرشيف ناتج عن تقييمات حقوق الإنسان وحقوق المثليين والمرأة والحريّات الفدرالية في هذه البلدان يهيئون المناخ العام لاستعمار بلدانهم ، ولتهيئة (مناخ أخلاقي) بالذات لفعل الحرب الأميركية. وفي هذا السياق، لا يمكن للمرء أن ينسى شخصا مثل فؤاد عجمي، المخبر المحلي البناني الأصل) ، تقول غياتاري: وهذا لا يعني أن التمركز قد انتهى، بل لايزال قائما ومترسخا، فكل ما تغير هو الجلد لا أكثر. ان الجلد ليس مسألة لون، بقدر ما هو مسألة ثقافة
 واخلافية .
 
مابعد الاستعمار
يقول  الفيلسوف سلافوي جيجك،إن دباشي يريد فتح موضوع قديم، جديد وهو إشكالية مركزية العقل الأوروبي، وهو الأمر الذي دفع جيجك ليبين حجته موضحا سبب تجاهل  اي شيء يقوله غير الأوروبيين في مجال الفكر والسياسة والاقتصاد والعلم بعدم جدوى القول ، وهنا يسأل دباشي،: لماذا يتعين على الأوروبيين الاَّ يكونوا قادرين على القراءة حتى عندما نكتب باللغة التي يفهمونها؟. سؤال  حميد دباشي كمفكر متخصص في دراسات مابعد الاستعمار وزميل  المفكر إدوار سعيد (1935 – 2003) في جامعة كولومبيا نفهم موقع دباشي المهم في مجابهة الفكر الفلسفي النمطي الأوروبي بوصفه آتياً من المشرق الإسلامي، ويحمل أيضا ثقافة عربية كونه ولد في إقليم الأحواز ما مكنه استيعاب الشرق ثقافيا وحضاريا لينتقل مبكرا للدراسة في أميركا ويتحول من خلال جهوده الفكرية لواحد من ألمع المفكرين الشرقيين في أميركا. ينتقد دباشي المفكرين الأوروبيين وفي مقدمتهم جيجك بأنهم لايزالون في الدوائر الضيقة الخاصة بهم وبعيدين عن التحولات التي طرأت في العالم العربي. 
مذكرا بأن حالة الاستعمار أدت إلى وضع معين في انتاج المعرفة في جميع أنحاء العالم الاستعماري (من آسيا إلى افريقيا إلى أميركا اللاتينية والتي ندرسها اليوم ونسميها (مابعد الاستعمار). زعمت في كتبي عن الثورات العربية والحركة الخضراء في إيران كما اتضح من هذه الانتفاضات الثورية أن أشكال انتاج المعرفة في حقبة ما بعد الاستعمار قد استنفدت نفسها) وهذا القول  لجيجك وفلاسفة أوروبا الذين لايزالون يستشهدون بكتابات مفكرين مابعد
 الاستعمار. 
 
تفكيك جوهر العقل الغربي 
يستمد حميد دباشي منابع قوته من قراءة فرانز فانون للأنساق الاجتماعية، ونقد الاستشراق لإدوارد سعيد، وتفكيكية غياتري سبيفاك، وتحليل هومي بابا للخطاب الاستعماري . 
من داخل اشتغال المنظومة الفكرية الغربية، إذ يكتب  دباشي (عن وجود خلل هيكلي في تركيبة العقل الفلسفي الأوروبي، الذي يعاني من التمركز حول الذات، واستنادا إلى المفكر الإيطالي غرامشي، الذي أخرج الثقافة من برجها العاجي، بنقد يقظ للخطاب المعرفي الغربي، ساحبا البساط عن وصاية الغرب على التفكير) على الأقل منذ كتابات إيمانويل كانط، التي اعتبرت أوروبا ذاتا عارفة، بينما بقية العالم تشكل موضوعات للمعرفة، ثم تعمقت هذه النزعة مع كتابات هيغل عن شمس الغرب كنهاية للفكر الكوني. ويذهب إلى جذور التفكير الفلسفي عند الفيلسوف الفرنسي الليتواني إيمانويل ليفيناس (1906 - 1995) الذي أفصح عن تمركزه  قائلا: ( إن الإنسانية تتكون من الكتاب المقدس والحضارة الإغريقية وكل ما تبقى من الافكار الغريبة يمكن ترجمته على أنه مجرد رقص) يعلق دباشي قائلا: ( يطمئن  ليفيناس  القارئ بأنه لا يقصد أي عنصرية في ما يقول طبعا ، إنها ببساطة حقيقة فينومينولوجية مجردة تقول بأننا كآسويين  مولوعون للغاية بالرقص وأننا نغدو بشرا بقدر اقترابنا من الكتاب المقدس والحضارة الإغريقية ليذهب التاريخ والجغرافيا إلى
 الجحيم.
ظهر الكتاب المقدس إلى حيز الوجود في آسيا والإغريق وفلسفتهم كانوا معروفين في آسيا قبل قرون من اختراع أوروبا كتصنيف حضاري، أصبحنا في عقل الفيلسوف الأخلاقي نحن الاسيويين المساكين غرباء عما أنتجنا وعما عرفنا) لا يكتفي دباشي بهذا النبش بل يعود إلى عصر التنوير الأوروبي فاضحا تلك المركزية الأوروبية في التفكير والتي يتملص منها جيجك وفلاسفته، مقتبسا رد كانط على كلام (زميل أفريقي) بالقول: ( كان هذا الزميل أسود من رأسه إلى أخمص قدميه مما يشكل دليلا واضحا على أن ما قاله كان غبيا). ويوضح دباشي إلى أن ما يوحد كل من جيجك وليفيناس وكانط ان فلسفة التعميم الذاتية تستند عندهم دائما على نفي قدرة الآخرين على التفكير النقدي أو الإبداعي من خلال تمكين وتفويض وتخويل أنفسهم للتفكير بالنيابة عن العالم). ومن هنا يسأل دباشي: هل يستحق المفكر الافريقي أن نطلق عليه لقب فيلسوف أم أن هؤلاء ينتمون إلى (اللافلسفة).
 أن مسألة النزعة الأوربية اليوم مسألة منتهية تماما. فالأوربيون يتمتعون بالنزعة الأوروبية ورؤية العالم من وجهة نظرهم العتيقة ولماذا لا يكونون كذلك، إنهم ورثة الإمبراطوريات المتعددة ولايزالون يحملون بداخلهم بتلك الغطرسة الوهمية لتلك الامبراطوريات). ومن ثم فهم ليسوا بحاجة لقراءة ما ننتجه نحن معاشر الملونين، بوصفنا جزءا من المعرفة.  في نهاية الكتاب يعيد حميد دباشي اعادة صياغة السؤال : هل يستطيع الأوروبي القراءة؟ ويذكر  كوكبة من فلاسفة ومفكرين من جنوب آسيا، ومن بينهم آشي ناندي وبارثا شاترجي وغيتاري سبيفاك ومن افريقيا هنري أوديرا أوركا وول سوينكا وشينوا آشيبي وآخرين.