عناد الأطفال.. سلوكٌ تُقابله أخطاءٌ تربويَّة

الثلاثاء 25 شباط 2020 676

عناد الأطفال.. سلوكٌ تُقابله أخطاءٌ تربويَّة
بغداد / رلى واثق 
 
شاهدته يحبو على الأرض في أحد المولات التجارية تارة، ويرفس بأقدامه تارة أخرى مع الصراخ المستمر، ووالداه يحاولان تهدئته لكن من دون جدوى، بادرتهم بالسؤال عن السبب، فقالت والدته السيدة نور مثنى:"هذا حالنا عند كل نزهة، يبكي ويصرخ للحصول على لعبة معينة او حلويات، وبمجرد مايحصل عليها يبادر للبكاء عن حاجة أخرى وهكذا، لم ينفع معه الضرب او الترهيب وحتى منعه من الخروج، لانعرف ما الحل؟ وكيف نتصرّف معه؟ وهو الان تجاوز عمر الأربع سنوات".
 تشكو غالبية الأسر من شدة عناد اطفالهم وتمسكهم بآرائهم والتعبير عنها بصورة مزعجة كالصراخ والبكاء، وبالطبع يعجز الكثيرون عن التعامل مع تلك الحالات، فتتم مقابلتها اما بأساليب عنيفة مثل الصراخ المقابل بوجهه، او بالاساليب التأديبية كحرمانه من أشياء محددة، كثيرة هي الاساليب للتعامل مع تصرفات الأطفال إلّا أنّها ليست بالضرورة صحيحة، سنتعرّف اليوم على الطرق الناجعة عن طريق مختصّين بهذا المجال.
 
لا لتعنيف الطفل
الطبيب النفسي الدكتور محمد عبد العزيز يقول:
"عناد الطفل يؤشر الى خلل في نفسيته نتيجة سوء التعامل معه في المرحلة الاولى من عمره، وذلك لكثرة رفض طلباته، والتصرفات الخاطئة التي تبدر منه وبمرور الوقت هذه الرفض يولّد العناد لدى الطفل، والحل هنا يكمن في تغيير السلوك بطريقة مختلفة لاتكون فيها كلمة (لا) او حتى الصراخ في وجه الطفل، فالصراخ في وجه الطفل وتوبيخه المستمر يجعله يتلذذ بالمعاندة ورفض ما يطلب منه".
وتطرق الى دور الأهل بقوله:
"تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الأهل، لاسيما الأم كونها أكثر ملاصقة للطفل في جميع تفاصيل حياته، هذا وانها حريصة على ان يكون طفلها مطيعا، غير متقبلة انفصال طفلها عنها وتكوين شخصية جديدة بعيدة عن حضن الأم، وان كثرة الضغوط النفسية نتيجة العقاب كفيلة بطمس شخصية الطفل وتحويله الى تابع وبعدها تبدأ مرحلة العناد، فيكثر من كلمة (لا) وحتى يبدأ بالبكاء عند رفض اي طلب".
ويضيف:
"ان تصرف الاهل الخاطئ مع الطفل يصعب دور الروضة والمدرسة في التعامل مع طفلهم الذي غالبا ماسيؤثر في بقية الأطفال، إذ لا بدّ من تهيأته مسبقا لوضعه في بيئة جديدة وتحفيزه على التعايش مع بقية الاطفال بشتى الاساليب المحبّبة للطفل".
ويتابع:
"عند إصرار الطفل على طلب معين، على الاهل تجاهل طلبه من دون اللجوء الى العنف او الصراخ، مع تعليم الطفل ان طلبه غير ذي فائدة او انه ارتفع في سقف الطلبات الى حدِّ عدم القدرة على تنفيذها، وهذا لايعني رفض جميع طلباته حتى البسيطة منها، بل لا بدّ من تنفيذ طلباته بين الحين والآخر المقبولة منها، هذا ولايمكن تجاهل دور الأب في تربية الطفل ليتفقا على تربية الطفل وتعديل سلوكياته
 الخاطئة".
 
أساليب ترغيب
 مديرة إحدى الروضات الأهلية الست ضحى أثير توضح:
"للملاك التعليمي في الروضة دور مهم في التعامل مع الطفل ومساعدة الاهل في تعديل سلوكيات الاطفال، فنحن في الروضة نواجه حالات لاطفال يتمسّكون بأسلوب العناد سواء بعدم الامتثال لاوقات الطعام او الدروس، التمسّك بإحدى الالعاب ورفض مشاركة زملائه، وكثير من هذه الحالات إلّا أنّنا بمرور الوقت نتمكّن من كسب الطفل وتخليصه من هذا الاسلوب، وذلك بطريقة الترغيب وعدم تأنيب الطفل وذكر عيوبه أمام زملائه".
وتضيف:
"تجب مراعاة التعامل مع الطفل العنيد بطريقة التدريج، ففي مرة تكلمه بغرض التعرّف عليه، وفي اخرى تحاول لفت نظره الى الفعاليات المقامة في الصف، وفي ثالثة تحفزه ببعض الحلوى، وهكذا الى ان يتآلف مع المكان والمعلّمة، والاهم من ذلك اعطاء الطفل احترامه بين اقرانه ومنحه شعور الثقة بالنفس، منبّهة أنّ بعض أولياء الأمور والملاك التعليمي لايهتمون بالجانب النفسي للطفل، ويعتقدون أن بكاءه ورفضه دخول المدرسة، ليس إلّا دلعاً؛  لذا يتعاملون معه بقسوة، ما يجعله أكثر عدوانيّة وعناداً".
 
العناد كنز
الباحثة الاجتماعية سحر رائد تبيّن:
"الطفل يمر بمرحلة عمريّة معينة يزيد فيها الاصرار برأيه وتنفيذ اوامره تبدأ عند الثالثة من العمر، يزداد إحساس الطفل بشخصيته، لاسيما مع تطور مهاراته اللغوية والاجتماعية، وتمكنه من التحكم في العمليات الحياتية، وهو ما يعطيه ثقة بنفسه وشخصيته تدفعه لفرض رأيه، وفي هذه الحالة لا بدّ من التعامل بحكمة مع الطفل، وينصح هنا بزيادة قائمة المسموحات على حساب قائمة الممنوعات، ولا نسرف في رفض أوامره بحيث يكون عدد الطلبات التي تلبى له أكثر بكثير من تلك التي يتم رفضها".
وتعدُّ رائد العناد لدى الطفل كنزاً بقولها:
"بعد تجاوز تلك المرحلة التي قد تستمر عامين، تتشكل شخصية الطفل الحقيقة وهناك من تلازمهم لسنوات، وتعدُّ هنا من صفاتهم الشخصية، مؤكدة ضرورة استغلال تلك الصفة فهي كنز في شخصية الطفل فهو انسان مثابر يصمم على تحقيق اهدافه والوصول اليها، وعلينا استثمار ذلك بشكل أمثل".
 واستدركت:
"إنّ أهم خطوة تربوية تتمثل بالنظر للسلوكيات الايجابية في الطفل لا التقاط الاخطاء فقط، ويجب اعادة النظر بطريقة توجيه الطفل والصبر عليه، هذا ولا بد من مكافأته عن أي سلوك ايجابي يقوم به والثناء عليه، واعتماد أسلوب الحوار مع الطفل والاستماع له بأهمية".
 
العامل الجيني
سفيرة الطفولة في العراق زينة القرغولي ترى:
"العناد لدى الاطفال يعود الى العامل الجيني الذي يمكن ان يؤثر في تصرفاتهم، فالطفل العنيد يمكن أن يكون والده او والدته عنيدين في طفولتهما مع أهلهما، وقد تستمر معهما هذه المشكلة حتى وهما في كبرهما، هذا ويعود العامل الثاني الى  محيط الطفل المتمثل بالأسرة والمجتمع والمدرسة، الذي قد يؤثر عليه بشكل سلبي وينمي سلوك العناد لديه، إلّا أنّ الدور الأهم في هذا المحيط هو للأسرة، ويمكن ان يعالج بالتوبيخ الايجابي، لا بالعنف الذي يمكن أن يؤثر سلبياً في الطفل ويجعله يتمادى في العناد او أي سلوك آخر، فيمكن لضربة خفيفة على يديه او عزله في مكان او حرمانه من اللعبة التي يحبها كفيلة بحل كل هذا الموضوع".
وانتقدت القرغولي:
"بعض التصرفات التي تعد دخيلة على المجتمع من خلال ترك الطفل يعمل مابدا له من دون رادع، بداعي أنّ التوبيخ يمكن ان يؤثر في شخصيته في المستقبل، ما يؤدي به الى تفاقم جميع الحالات السلبية التي يسلكها ولايرى أي تصرّف تجاهه من قبل أهله".
ونبّهت:"الى دور الانترنت والاجهزة الالكترونية في تنمية اساليب العناد والعدائية تجاه الاطفال الآخرين والاهل لأننا نعلم أنّ الطفل وبأعمار صغيرة يتأثر بما يراه، خاصة أنّ العراق لايمتلك برامج للسيطرة على ماينشر من فيديوهات في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، أسوة بباقي الدول الاخرى، فضلاً عن اهمال الاهل لما يراه الاطفال من تلك الفيديوهات وعدم مراقبتهم، اذ ان هنالك بعض الفيديوهات المصورة التي تؤدي الى تنمية التصرفات السلبية لدى الاطفال والتي تنعكس سلبا على تصرفاته مع المجتمع".
وبيّنت القرغولي:
"أن الاهل يمكن ان يعالجوا مشكلة العناد لدى الاطفال بالتركيز على البيئة التي يعيش فيها كالروضة والمدرسة، وتوجيهه بشكل مستمر ولايمكن تركه يفعل ما يحلو له إلّا بعد أخذ الاذن من احد أفراد الأسرة".
وتطرّقت:
"الى ضرورة الانتباه الى ظاهرة انتشار المربيات الاجانب، اذ بدأ الاطفال يتعلقون بهن أكثر من الامهات، وهذا الشيء خاطئ، اذ ان المربية توجه الطفل حسب ماتربّت عليه في مجتمعها وليس وفق مايتطلبه مجتمعنا، وفي هذه الحالة يكتسب الطفل مايتلقاه من المربية أكثر من الأسرة؛ لذا على الأسرة الانتباه ولاضير في ان المربية تساعد الأم في اشياء بسيطة، لكن لاتأخذ دورها، مؤكدةً ان على افراد الأسرة توجيه الطفل وهو في سن صغير على التربية الصحيحة في المجتمع وصولاً الى سن الـ 5 سنوات والذي يعد سن تكوين الشخصية ولايمكن تغيير اي سلوك فيه سواء كان خاطئا او صحيحا
بعد ذلك".