{حنين حار جدا}.. مسرحية عن زوجين في وطن حزين

الثلاثاء 25 شباط 2020 219

{حنين حار جدا}.. مسرحية عن زوجين في وطن حزين
د. جبار صبري
 
  كل شيء يتذكر كل شيء في هذه البلاد: الطابوق والكلمات والجسور والدخان والرصاص والأمكنة والطيور وبالونات الفرح ومشاهد العزاء وسلسلة الحروب وملاجئ الخوف وغثيان ما يحدث كل وقت وانكسارات النفوس والشعور بالمجد الذي يرافقه شعورنا بالقرف والأسى وملاذات القهر والحرمان وجيوش السلطة وانفجارات التاريخ الذي يتسربل بين أضلعنا على شكل شظايا بطعم العلقم.
كلّ شيء يتذكر ويعيد إلينا الذاكرة من جديد من دون أن ننسى أيّ شيء، ومع ذلك تكاد تلك اللعبة من التذكر أن تكون لعبة واهمة يعيشها العراقي كل يوم، وبما يحدث له من قهر وخوف وظلام إلّا أنّه لا يتذكر منها إلّا وجعه الماطر كل لحظة. إنّه يتذكر فينسى فيتذكر ليرسم له خريطة وجود أو تاريخ ممّا تفرط به ذاكرته المورومة حدّ الهلع.
عين الحنين رسم المخرج جواد الأسدي إطارَ ما تراه عين المشاهد على نحو:
- جدار يعمل على تقسيم المسرح/ البيت/ الوطن/ الأسرة، الى:
• الشاهد الذي يرى كلّ شيء ويسرد بقلمه المؤرخ كلّ ما يجري في هذا الزمن/ الوطن/ الزوج – الزوجة/ المجتمع، كلّ شيء في آن واحد.
• التناوب المستمر بين الفرح والحزن/ السلام والحرب/ اللقاء والفراق/ المدينة والحرب/ الحب والكره/ الفن والمقبرة/ البيت والضياع.
• الظاهر والباطن: كلّ شيء هنا له وجه ظاهر يتكلم عنه ذلك الوجه الباطن في وجع شفيف يمطر كل لحظة بالأسى والخوف والحرب والموت والحب على حدّ سواء.
• الفاصل بين فن الحياة: الرسام والمغنية والعازف والسلام وبين فن الموت: الأيديولوجيا القاهرة والإرهاب والسلطة الغاشمة ونزعة النفس الممروضة بوسواس الخوف من أيّ شيء بسبب ما يجري من
قهر شديد. 
• الجدار الذي نعيد تأويل وجوده علنا على شكل كتاب عسكري إلى سجن تنضح به مكتبتنا الوطنية، أو خوف من جوع في عيد لا يجد الأطفال إلّا أُمّا مقهورة تخيط من جروحها الصامتة ثيابا لأولادها الحفاة.
• اللوحة التي تنزع عنها ألوانها ولا يتبقى بين إطارها إلّا صدى أوجاع من ترسمه اللوحة/ الوطن/ الأسرة/ الأيام، أو من يرسمها وهو على شفا حفرة الخوف والألم ممّا حدث له ويحدث كل وقت.
• موت الحنين في الإعلان عنه وشغف الحياة في إعلان التذكر به والتغني بالوجع منه. بل تفجر ذلك الحنين وهو يسرد لنا بممسرحة زوجين في وطن أو بيت أو تاريخ لا يقبل القسمة إلّا على ذلك الحنين.
• الألم البارد في ذلك الجدار يقابله الحنين الحار: هي لعبة الزوجين، أو بلاد ما بين النهرين. اللعبة التي لا تنتهي إلّا على ضيم أسود يجر وراءه دمعا أسود ينزف وطنا أبيض.
- طاولة يمكن أن يندلق على لسانها:
• اللقاء الذي يتبعه نفور وجفاء. إنّنا أبدا كلما نلتقي أكثر كلما ننفر هربا من أنفسنا أكثر.
• تشريح ما تراه عيننا أمام أنفسنا أو وطننا على شكل نوبات نادبة لجروحنا التي تنزف ظروفا قاهرة دائما.
• الماضي في تلك الطاولة تذكر من أجل نسيان، والحاضر نسيان من أجل تذكر، والمستقبل مجرد قاتل على قارعة طريق في انتظار حبيبين أو فرح ما لكي يغتالهم بدم بارد.
- مشرب فيه من قناني الخمرة ما يجعل المسافة:
• بين زوج وزوجة جدار من الألم الممضّ وعدم القدرة على إتمام الحب بينهما إلّا بصراخ الحرب والنفور.
• بين ماضي البلاد وحاضرها رغبة سكر حدّ الثمالة والنسيان والهجران.
• بين هروب يؤدي إلى لقاء ولقاء يؤدي إلى هروب.
- الكتب المكدّسة على قارعة يسار المسرح تسجل لنا:
• إنّ الزوجين في هذا البيت/ الوطن هما المجتمع كله من نافذة زوجين.
• إنّ تاريخ الوطن مجرد كتاب ملقى على قارعة طريق مهملة كما الناس هي الأخرى مرمية على قارعة طريق مهملة.
• الكتب هي الحرب بما تتركه من آلام على الناس وهي الحب بما تتركه من سلام.
• الكتب ذاكرتنا ووعينا المؤجل بالنسيان من فرط ما يجري من قهر وهي التذكر الذي يلهبنا الوجع والأنين والحنين الحار جدا.
- العازف الشاهد الحي على كل مجزرة وذكرى وهو صورتنا الناطقة بـ :
• الصمت المفجوع بقهر الكلمة.
• الابن والمستقبل المفجوع بالقتل والتغييب.
• الحلم الذي ما أن يلوّن نفسه بالعزف والموسيقى تغتاله السلطة والأيديولوجيا الغاشمة.
لسان الحنين  يقرأ المخرج قصة الوطن، أو حكاية زوجين، أو تاريخ ما بين النهرين بلسان من ممثلين، أو النظر من خلال منصة مسرح على بيت عراقي عاش حقبتنا نحن المهروسين بوجع الحرب والحب والاغتيال والشوق والوطن كل وقت على نحو:
- جبار/ الممثل مناضل داوود: الرسام 
قال الرسام إنّ ألوانه في اللوحة انعكاس لآلامه في هذا الوطن/ البيت حيث عانى من:
• وطن يأكل أبناءه بفم مفترس.
• عزلة قاهرة أقعدته جريحا في مهب فشل بعلاقة زوجية تخطت العشرين عاما ولم تنجب غير سجال عقيم ونهاية قاتمة بموته الوطني.
• المرض بهذه الألوان إذ تفر منه ألوانه نحو الحزن والبرد والإهمال والعقم.
• الفرح المخلوط بغمامة الضحكة السوداء والحزن المخلوط بوهم ذلك التاريخ الشخصي أو الوطني بفرح الابداع والانجاز والوطن
 الجميل.
• أداء (مناضل داوود) يفرّ من الواقع بمزيد من الواقعية ويفرّ من الحلم بمزيد من التعبيرية.
- شفيقة/ آلاء نجم: المغنية
قالت المغنية وهي تسمع حشرجة صدى ما غنت على نفسها وبيتها ووطنها:
- كلّ جنين في هذا الوطن ينبغي أن يجهض قبل اغتياله بالحياة.
- كلّ صوت سوف يُبحّ من فرط ما تمرّ به من غيمات القهر والحزن.
- كلّ حياة الزوجية هي انكسار وخيبات الوطن في علاقة لا تعرف حتى الشغف على سرير وطن، أو زوجين عروسين بالحب والحرب والخوف. 
- يكبر الصوت أو المغني المجرح ويشيخ جدا قبل أن يكبر به العمر. وهكذا هي البلاد المقهورة.
- أداء (آلاء نجم) يرتدي معطف الصدق حدّ التلقائية ويرتدي معطف الواقع بغزل لغوي كأنه حلمنا الملون بالأغاني الحزينة. 
• عامر/ أمين مقداد: العازف 
قال العازف (أمين مقداد) وهو يولول حزنا ممضا بموسيقاه على نفسه ووطنه:
- الوطن كسر نفسي إذ كسر آلتي الموسيقية لكنه بالنتيجة كسر نفسه.
- الوطن شباب أو فتيان على قارعة نهوض وحزن وحلم وانكسار.
- السفر بالموسيقى إلى وطني أعظم غربة والعودة بالموسيقى إلى منفاي أعظم
 وطن.
- أداء (أمين مقداد) كان عزفا هادئا ولكنه يصخب بالجروح الكبيرة التي من شأنها أن تنزف أوطانا في فتيان أو تنزف فتيان في أوطان. سرد/ فعل حنين وضعنا المخرج في بؤر من الحكي المسرود على لسان أبطاله وهو إذ يجمعنا بقصة زوجين يفرقنا بقصة بلاد ما بين النهرين أو العكس أيضا صحيح وهو بذلك يؤكد لنا أن حكي قصته مجرد سرد تاريخ وطني من خلال تاريخ ألسنته الشاخصة أمين وخالته شفيقة وزوجها جبار. إنّه فعل ما بعد الدراما وهو يخيط لنا أسلوبه المواكب لروح العصر ألما بعد درامي إذ يسرد لنا الفعل المقهور والمتصارع بقصة يندلق من خلالها لسان جبار وعلاقته بالوطن والزوجة ولسان شفيقة وعلاقتها بجبار والوطن المنكوب، وكذلك علاقة عامر بخالته وزوجها وما يعانيه في هذا الوطن من الوطن ذاته ولأجل الوطن ذاته.
لغة حنين إذا قلنا إنّ أسلوب المخرج هو سرد – فعل درامي وعلى نحو ما يتميز به العصر من نزعة في تبني أن ينزل الفعل الدرامي إلى السرد وأن يصعد السرد قليلا إلى الفعل الدرامي فإنّ اللغة، وعلى وفق متبنيات هذا الأسلوب، كان ينبغي لها أن تكون سهلة ويومية ودارجة حدّ التسطح، وهذا ما تفرضه نزعة مسرح ما بعد الدراما إلّا أنّ المخرج الأسدي قد غاير ذلك عبر جزالة التعبير وحلاوة الصورة الشعرية الممتلئة بالبلاغة من حيث الاستعارة والمجاز وعظمة بناء الجملة والإصرار على أن تكون الكلمات أدوات التعبير والتواصل الكبيرة ما بين فكرته ومشاهديه. إذاً، فإنّ هذا الاسلوب قد زاوج بين روح العصر من حيث بنية الفعل، وبين العودة إلى اللغة الشكسبيرية الشفيفة والبليغة بالتعبير، وإنّ هذه المفارقة عادت إليه بحسن التواصل اللصيق والحميم مع المشاهدين، وعلى نحو أضفى المزيد من المتعة ولذة الجمال. 
موت الحنين 
على الرغم من القلب الموجوع بما رأى إلّا أنّ ما يحدث في هذه الأسرة أو هذا الوطن كان يحدث من أجل:
-أن تتفكك الروابط، رابطة الزوجين بسبب قهر وطني.
-أن تتفكك أواصر المجتمع بسبب قهر وطني.
-أن يتفكك الحلم بسبب واقع وطني.
-أن يتفكك السؤال الوطني بسبب الإجابة الوطنية.
مع ذلك، إن الحنين الوطني يجرّ إلينا أنفسنا من خلال بوابة الأمكنة والأحداث والأسماء والثقافة والمسرح الوطني إلى مزيد التظاهر الوطني لأجل الوقوف كنُصب شامخة على شاطئ وطن نحلم به وهو يغسل أنفسنا وشوارعنا بالحنين الوطني إلى كل شيء وطني في هذا الزمن الذي تغني له شفيقة كل يوم:
- هذا مو انصاف منك
والذي يرسم فيه جبار لوحته التي تتطاير عنها ألوانها في شارع الرشيد قريبا من مقاهي الثقافة وصولا إلى الميدان مرورا بالرصافي وهو يصرخ:
- قل لي يا حلو منين الله جابك
والذي نجد به عامر العازف حزينا وتحت عباءة الموسيقى يعزف بكل صمت وكبرياء هواجس الوطن وآلامه على قارعة
كل طريق وطني.
حتى إذا زاد المطر الذي يغسل الشوارع زاد الفراق بين كل زوجين أو كل وطنيين وزاد التظاهر نحو الحلم والرسم والغناء وزاد أكثر التظاهر بالموسيقى. ولكن الرصاصة والحلم بوطن ملون على مسافة واحدة من جبار وعلى مسافة واحدة من اغتيال الوطن ولوحته الجميلة واغتيال الرسام الذي أراد أن يطرز تلك اللوحة بلون دمه الوطني.
- شفيقة هاي شلون موته حلوة.. آني يمكن اتصوبت .. آني متت.