جليل حيدر وشعريّة الهذيان السوريالي

الثلاثاء 25 شباط 2020 403

جليل حيدر وشعريّة الهذيان السوريالي
فاضل ثامر 
 
منذ أن أصدر الشاعر جليل حيدر ديوانه الأول "قصائد الضد" عام 1974 في بغداد، كان يحلم بكتابة قصيدة حداثية بديلة تختلف عما كان يكتبه أقرانه من شعراء الستينات الذين عبروا عن رؤيتهم في "البيان الشعري" الذي نشر في العدد الأول من مجلة "شعر 69".  إنه بكلمة أخرى كان يطمح الى إيجاد وخلق قصيدة مضادة.  ولذا راح يشتغل بأناة وصمت من أجل أن يستكمل شروط تجربته الصعبة التي تنطوي على عنصري التواصل والقطيعة في آن واحد. 
التواصل مع التقاليد الشعرية الحداثية التي طوّرها شعراء الستينات، وقبلهم شعراء الخمسينات في ريادتهم الحداثية في الشعر والقطيعة التي تنطوي على لون من المفارقة والمغايرة والاختلاف مع هذا الإرث. 
ومع أنّ الشاعر كان جزءاً من الصخب الذي أثاره جيل الستينات شعرياً ورؤيوياً، وجزءاً من الحراك الجماهيري الذي راح يتبلور بعد سقوط نظام البعث عام 1963 على يدي عبد السلام عارف، والذي اختلطت فيه شعارات وأصوات واهداف متناقضة، منها شعارات الجيفارية والماوية والتروتسكية والماركسية والفوضوية، فضلاً عن دعوات الكفاح المسلح وأفكار الوجودية  والعبثية، فقد بقي الشاعر جليل حيدر يتأمّل المشهد بروية وحذر وهو يحفر في صخر التجريب الشعري الحداثي، واضعاً مسافة خاصة بينه وبين هذا المخاض الصاخب والجارح بكل إشكالاته وامتداداته الذي كان يمور به الواقع العراقي.  فعمل اولاً على اللجوء الى اقصى درجات التكثيف والاقتصاد والاختزال في اللغة في نزعة اختزالية minimalism واضحة لترسيخ تقاليد القصيدة القصيرة، التي تقترب من السوناتا أو الومضة أحياناً لتحقيق لون من الخصوصية المتفرّدة في الكتابة الشعرية. وكان هذا قريباً من منحى الشاعر سركون بولص على المستوى العراقي، والشاعر أنسي الحاج على المستوى العربي، ولم يكن بعيداً عن تجربة أدونيس، شأنه في ذلك شأن معظم شعراء الستينات العرب آنذاك. 
ومن الجانب الآخر لم تشغله قضية المعنى والدلالة والمباشرة، ومال الى الإيحاء والإيماء والصمت أحياناً، وكان في هذا، ربما، قريباً من مطلب سوزان برنارد في مفهوم المجانية، الذي يعني ضمناً عدم الركض وراء المعنى المباشر: 
"ليس مهماً أن تفهم المعنى لامس الأطراف وحواسّها" (مجموعة "اسد بابل" ص 44). 
ولأنه يدرك أيضاً أن الكلمة في الشعر تخفي وتضمر وتخبئ أسراراً كبيرة: 
"لكل كلمة قاعٌ  يخفي يوسف وذئبه". ("اسد بابل" ص 44). 
رحلة الشاعر مع الشعر، هي ايضاً جزء من رحلته المضنية والقاسية مع الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاناه، بدءاً من تعسف الانظمة الشمولية والدكتاورية في العراق مروراً ببيروت التي أحبّها، وحمل سلاح الكلمة دفاعاً عنها في مواجهة الاجتياح الصهيوني للبنان، وصولاً الى منفاه الأخير في السويد حيث معاناة الغربة والاغتراب معاً، ثم العودة الصادمة ثانية الى بغداد التي أحبها، وبعد ثلاثة عقود من حياة المنفى ليكتشف أنّ بغداد قد أصبحت ثكنة محاطة بالأسوار والقواطع الاسمنتية، فأحسّ كأنّه قد هبط في جزيرة معادية: 
"كمن تقذفه موجةٌ الى جزيرة معادية". (اسد بابل ص 39). 
لقد اكتشف الشاعر خلال زيارته لبغداد حجم الخراب الذي نخر داخلها، وفضح "هررة البلاد" الذين يتسيدون المشهد بكل وقاحة ليكونوا شهود زور وشركاء في هذا الخراب: 
"الخامس هرّ المؤتمرات لا بدّ من سجادة حمراء في مدخل الفندق ونوافذ قطار، وماخور وخذ ما تريد من ياقات منشأة.." (ملحق جريدة المدى، 6-2-2020). لكن الشاعر، وسط هذا الخراب الشاسع يحاول أن ينتزع البياض، رمز الأمل والبراءة والنقاء من عتمة 
السواد:  "كلما حلّق علمٌ بين العيون، وأصغى العالم لجناية العاشقين ذوق له هيئة شمعة في زاوية، وخجل طالبة، ذوق يرافق الأمل وهو يصبح على بياض". (اسد بابل، ص 
30). 
لقد كانت قصيدة جليل حيدر تنحو نحو لون من قصيدة النثر التي راح يقترب منها تدريجياً، حتى من خلال قصائد التفعيلة التي كتبها في "قصائد الضد" لأنّها كانت مكتوبة بنكهة قصيدة النثر، وبحد أدنى من التطريب والايقاع والوزن والتركيز على ادوات بنائية تؤثث المشهد الشعري من خلال الصورة والاستعارة والرمز وبدفق من الومضات السريعة الصادمة، وغير المتوقعة، التي غالباً ما تكون محاطة بهالة من الغموض الصادم الذي يصل حد الابهام، لكنّه غوص مشع يميل الى ما وراء الكلمات التي تخفي "يوسف وذئبه" كما يقول. ولم تكن السوريالية بعيدة عن توجهات الشاعر، مثلما فعل معظم مجايليه الستينيين، فهي التي منحتهم حرية الكتابة الاوتوماتيكية، الحرة، المنفلتة من قيود العقل والمنطق، والتي تنفتح على لحظات هذيانية 
خصبة: 
"أشجار تهرب من ذاكرتي، اصوات الرد عناء آخر، حيث يكون المعتوه ذهنياً ممتلئ القيء، وعذراً أهمله 
التفسير". (قصيدة بوق الهذيان من "قصائد الضد" ص 36) 
وتتحول القصيدة، بفعل لحظة الهذيان الى لون من العذاب المتفجّر: 
"شعري عصابٌ وابتداءُ معجزة وصورتي تميمة". (قصيدة "موائد الضيوف" من قصائد الضد، ص 33). 
في معظم دواوينه المبكرة، كانت حركة الشاعر تراوح بين اقتناص مرئيات الخارج والغوص في متاهة الداخل، لكنه راح، في مرحلته الاخيرة يمنح الغوص الى الداخل مساحة أكبر من سلطة الخارج: 
"تصغي الى نفسك،مكوّناً، فكرة عن مرآة وطبقة صوت. 
كأنّك ترصد مشبوهاً يمرّ، يهبط سلماً في ظلام". (قصيدة "انشقاق" من ديوان "كأن" ص 30). 
وتكاد تكون قصائد القرين في دواوين الشاعر مدخلاً للولوج الى العالم الداخلي للشاعر ومراياه المتعددة: 
"أبحث عنك، أدخلُ، أخرجُ، تشبهني في الصورة تشبهني إذْ ترسم دوامات بيضاء على أنهارٍ مهجورة". (قصائد الضد ، ص 25 ). 
وقد تتحقق حالة من الاندماج الصوفي بين شخصية القرين، وشخصية الشاعر أو ذاته الثانية:
"ولكنك تعرف شيئاً واحدا إنّ البحث الغائب عنك بحثٌ عني". (قصائد الضد ص
 26) 
وتطلّ المرايا أحياناً من ثقوب شخصية القرين، لتكون المشاهد المتعددة على محنة الداخل:
"كان معي يتسلّل من جسدي، يتمرّى بوجهي  وكان معي في الطريق اليّ. 
يغادرني الآن، يتركني، فأدخن أحلامي العاطلة، يغادرني لمصيري فأراه بكل المرايا التي أيقظتني". (قصائد الضد، ص 67 )