ريــافـــة السـجــاد

السبت 29 شباط 2020 216

ريــافـــة السـجــاد

بغداد / سها الشيخلي 

تعد ريافة من المهن اليدوية القديمة والتراثية في بغداد والمحافظات  الا انها بدأت تنحسر لاسباب عدة منها الاستيراد المفتوح ورخص اسعارالسجاد الصناعي ، وفي بداية القرن العشرين كان سوق الروافين الكائن قرب المدرسة المستنصرية سوقا كبيرا يعج بدكاكين الروافين التي كان بعضها صغيرا لا يتجاوز مساحة المتر المربع  او المترين المربعة وكان الرواف يفترش الارض ويتدثر بالسجادة التي يقوم باصلاحها ، اما اليوم فلم يبق من سوق الروافين الا محال قليلة ، إذ تحول اغلب الروافين او ابنائهم الى سوق الساعات المجاور لمحالهم، اما هذا التحول فله اسباب عديدة لعل اهمها قلة المردود المالي للرواف مع انه يبذل مجهودا كبيرا في ريافتها .

يقول الرواف عباس مزعل (73سنة): ان تحسن القدرة الشرائية لاغلب الاسر البغدادية أدى الى الاستغناء عن السجادة (المعيوبة)  من حدوث ثقوب او تمزق فيها بخلاف الماضي ، إذ كانت ربت البيت تسارع الى الرواف لاصلاح ما أفسده عقود ثقاب او لهب 
مدفئة . 
فكل شيء يتغير ولكن يجب أن يكون  نحو الاحسن، فبرغم قلة المكسب المالي كانت لنا مكاسب اخرى مقنعة، ويشير مزعل الى ان سوق الروافين الذي كان قد ضم قبل عقود اعداد كبيرة من محال الريافة تلاشت الان ولم يبق سوى محلان او ثلاثة ، ويؤكد ان هذه المهنة على بساطتها تحتاج الى شخص متعاف يستطيع الجلوس لساعات عند عمله وقد تكون حاجته اكبر الى نظر سليم ومع ذلك فغالبا ما نرى الرواف وقد استعان بالنظارات الطبية في عمله فهذه المهنة تعد شاقة، وكان الرواف يعطي اسرار المهنة الى ابنه الاكبر ليكون خليفته من بعده.
مهنة متوارثة
ويشيرايضا الى انه قد تعلم المهنة من والده وكان هذا ما يقوم به اصحاب الحرف والمهن اليدوية فنجد الوالد يعد ابنه ليكون خليفته في العمل الا ان نظر الوالد قد ضعف كثيراً ثم اختفى نتيجة العمل المتواصل وتقدم العمر، وبرغم مشقة العمل فقد استطاع والده ان يشتري دارا للاسرة في منطقة المهدية وان اشقاءه اكملوا دراستهم وهم الان موظفون ، اما هو فلم يحالفه الحظ في الدراسة لذا حرص والده لان يتوارث مهنة الاباء والاجداد ، ويؤكد مزعل انها مهنة شاقة رغم ما يقوله البعض من كونها بسيطة وانا اخالفهم الراي فاين البساطة وانت تضيف قطعة مفقودة من نسيج سجادة بغض النظر عن اسباب الفقد فمهمتك اصلاح النسيج واعادة شكله الاول .
 
السدة واللحمة
ثم يقول : إن السدة تعني ترقيع السجادة بخيوط متوازية من الوان السجادة نفسها وبطريقة طولية او عرضية مع مراعاة تدرج الوان السجادة ، اما اللحمة فهي ختم نهايات السدة بطريقة فنية دقيقة بحيث يكون الثقب قريبا جدا من الوان السجادة مع الحفاظ على مكان الثقب سواء كان محصورا بمجموعة من الاشكال او كان بلون واحد والاخير هو الاسهل ، وعند الانتهاء من الريافة تكون الخيوط محافظة على لونها فيقوم الرواف بنثر بعض التراب على الريافة لكي تبدو اقرب الى بقية السجادة عند النظر اليها ويقول الرواف جاسم خلف وهو آخر ما تبقى من الروافين في السوق الذي حمل اسمهم ، هذه المهنة اندثرت بعد ان تغيرت الحياة بشكل كبير ومتسارع ولم يبق من البيوت البغدادية من لديه سجادة ثمينة عند تعرض سجادته لثقوب او تلف يحرص على الذهاب بها الى الرواف بل الكثير من يستخدم السجاد الرخيص والمستورد والعملي ولا يستحق الريافة وعند حدوث الضرر يتم استبداله او يباع بسعر رخيص لذا منذ فترة طويلة لم نشاهد الناس يرتادون سوق الريافة الا من كانت لديه سجادة نادرة يحتفظ بها لقيمتها المادية او التذكارية، ويعتب الرواف مزعل على امانة بغداد وعلى  المعاهد التراثية ان تلتفت الى المهن التراثية والشعبية وان تصونها وتحافظ عليها من الاندثار فهي تشكل حياة شعب في حقبة تاريخية معينة وماضية .
ويشبه مزعل المهنة بالاقدار لان الضرر يقع في لحظة ولكن اعادته على ما كان عليه يتطلب جهدا كبيرا .