هل نتوجه لبناء مدن {غبية» بدلا من {الذكية»؟

الاثنين 02 آذار 2020 203

هل نتوجه لبناء مدن {غبية» بدلا من {الذكية»؟
آمي فليمنج
ترجمة: ليندا أدور
من خلال تتبع ومراقبة كل شيء فيها بدءا من صناديق القمامة الى الجسور، تعد المدن الذكية بالاكتفاء، لكن ما الذي سيحدث لو تم التخلي عن كل تلك البيانات والعودة لتبني التقنيات القديمة. فمنذ ان نجحت الهواتف المحمولة بالتحكم بنا من خلال امكانياتها غير المحدودة وزيادة مستوى الدوبامين في الجسم (الدوبامين: مركب كيميائي وناقل عصبي في الدماغ، مرتبط بحالات الادمان والاكتئاب وامراض الحركة-المترجم)، لم يعد مسؤولو إدارة المدن يشعرون بالاكتفاء من فكرة إلباس المدن حلة الذكاء الحديث.
ليس هناك من تعريف ملموس ومحدد للمدينة الذكية، لكن النماذج العالية التقنية تعد باستخدام الكاميرات وأجهزة الاستشعار لمراقبة كل شخص وكل شيء، ومن خلال البيانات المستحصلة للمساعدة في إدارة المدينة بسلاسة وسهولة. قدمت شركة سايد ووك لابز Sidewalk Labs، شقيقة غوغل، مقترحا رفيع المستوى لتقديم 12 هكتارا من مدينة تورونتو لاجراء عملية تحول ذكي
 شاملة. 
 
ثغرات الذكاء
توضح شوشانا ساكس، من جامعة تورنتو، بأن هناك اعتبارات عملية، بقولها أن المدن الذكية " ستزداد إدارتها تعقيدا، بوجود أنواع من الثغرات لا يمكن التكهن بها"، اذ تتقادم معظم المنتجات التقنية سريعا، فما الذي يمكن حدوثه عندما يصيب المستشعرات فشل ما؟ وهل يمكن للمدن الذكية تحمل تكاليف فرقا جديدة من التقنيين باهظة الثمن، الى جانب احتفاظها بعامليها الأساسيين اللذين لا تزال بحاجة إليهما؟ 
تدعو ساكس، الى إعادة توجيه الطاقات نحو بناء "مدن غبية ممتازة"، بالتأكيد، هي لا تعارض التكنولوجيا لكنها تعتقد بأن المدن الذكية ربما لا تكون ضرورية بقولها: "بالنسبة للكثير من التحديات التي تواجهنا، لسنا بحاجة لتقنيات حديثة أو افكار جديدة، نحن بحاجة للإرادة والبصيرة والشجاعة لاستخدام الافضل من الإفكار
 القديمة". 
تشير ساكس الى امكانية نسج الخبرات القديمة عن كيفية العيش بتناغم مع الطبيعة مع كيفية تشكيل مدن المستقبل، قبل أن نفقد هذه الحكمة الى الأبد، اذ يمكن استعادة مناظر الحضرية القديمة وتطبيق حلول بيئية منخفضة التقنية للصرف الصحي وعمليات معالجة المياه والتغلب على آثار الفيضانات والزراعة والتلوث المحليين الذي عمل عليه السكان الاصليون منذ آلاف السنين، من دون الحاجة الى أجهزة استشعار الكترونية او خوادم حاسوبية أو اي تقنيات معلوماتية أخرى. 
 
تحديث الموروث
مطلع العام الجاري، أصدرت جوليا واتسون، استاذة التصميم الحضري بجامعتي هارفارد وكولومبيا، كتابا حمل عنوان "لو تك: التصميم بتحديث الموروث" والذي يعد نتاج بحث استمر لأكثر من عشرين سنة من التنقل بهدف البحث في المستوطنات الذكية بعيون مهندس معماري. زارت واتسون خلالها قرى المعدان في العراق، الذين يحيكون المباني والمنازل من القصب، كما زارت شعب الزوني في نيومكسيكو الذين ابتدعوا " حدائق الوافل" لجمع وتخزين المياه لزراعة المحاصيل الصحراوية، ومدرجات سوباك لزراعة الأرز في بالي. تجولت واتسون بين جسور الجذور الحية للأشجار التي يمكنها تحمل تقلبات الطقس على نحو أفضل من أي هيكل صنعه الانسان. تقول واتسون: "هناك طرق عدة يمكن من خلالها إعادة المدن الى بيئتها الطبيعية" هي ليست محاولة لفرض نظام قديم على المدينة بقدر ما هي تكييف للنظم الايكولوجية المعقدة لأنواع مختلفة من الأماكن بمتطلباتها النادرة والفريدة من نوعها. 
تضيف واتسون انه ليس لزاما محو القديم من أجل الجديد بل: "يمكن تخطي الذكاء المحلي وتطويقه باستخدام تقنية تقليدية تقوم على المرونة مناخيا وبيئيا وثقافيا".  
يتفق كونغ جيان يو، استاذ التصميم بجامعة بكين مع هذه الفلسفة، فباستخدام تقنية "المدن الاسفنجية"، يعمل المعماري يو على إنشاء مساحات مدنية قادرة على امتصاص مياه الامطار واستخدام أرصفة قابلة لنفاذ المياه لها، وأسطح خضراء وحدائق مدرجة في الأراضي الرطبة لخزن مياه خلال موسم "المونسون" الريح الموسمية، وفي حال كانت الاراضي الرطبة أعلى المباني ، فانها ستمتلئ قبل أن يصل الماء الى المدينة. يشير يو الى أن هذه المتنزهات اعادت الأسماك والطيور الى المدن، وقد أحبها الناس، تمت تجربة العديد منها على مدى أكثر من 10 سنوات ويمكن تكرارها في أجزاء أخرى من
 العالم". 
كوبنهاغن، هي الأخرى اختارت حلا غبيا، أو كما يسميها المخططون المحليون "أخضر وأزرق"، لدرء المخاطر المتزايدة للفيضانات، وتحديدا، هي سلسلة من الحدائق التي يمكن ان تتحول الى بحيرات أثناء حدوث العواصف، وتقدر المدينة تكلفة بنائها بأقل بمقدار الثلث من بناء سدود ومجار جديدة، فضلا عن كونها تعود بالكثير من الفوائد البيئية. ففي العام 2010، تمت تهيئة موقع عسكري قديم، من خلال تنظيفه وتحويله الى محمية طبيعية، هو مركز أماجر للطبيعة، بمساحات شاسعة لا يدخله السعداء فقط لغرض التجوال وركوب الدراجات، بل يضم كذلك، الحشرات والبرمائيات والطيور النادرة
 والغزلان. 
 
حلول "غبية"
يمكن للمدن الغبية أن تكون أكثر ذكاء، فهي لن توظف الاراضي الرطبة في حماية المدن من خطر الفيضانات والعودة الى الطبيعة فحسب، بل يمكن أن تسهم بتنقية مياه الصرف الصحي، من خلال امتصاص كميات من الكاربون والنيتروجين والكبريت والميثان، وخلق بيئة صالحة لصناعة ما تحتاج إليه مهنة صيد الاسماك فضلا عن توفيرها مزارع
 خصبة. 
يوجد أكبر نظام من هذا النوع في العالم، الذي لا يحتاج الى المياه والطاقة ومعالجة المواد الكيميائية او أعلاف للأسماك شرقي كلكتا في الهند، اذ يوفر نظام الصرف الصحي فيها غذاء للاسماك، ويعمل على توفير نحو 22 مليون دولار سنويا، فضلا عن استخدام المياه الناتجة بعمليات الري وتوفير أكثر من 650 الف دولار أميركي بتكاليف المياه
 والأسمدة. 
أما النقل "الغبي"، فلا شك أن المشي وركوب الدراجات هما الأفضل بالمقارنة مع التنقل باستخدام السيارة لا سيما في المسافات القصيرة داخل المدن، اذ يصبح مستوى التلوث وانبعاث الكاربون
 صفرا. 
وفي ما يخص انتشار تكييف الهواء، فهناك حل "غبي" له، فالمدن الحضرية الأكثر استهلاكا للطاقة بحاجة للمزيد من
 النباتات. 
إذ كشفت دراسة اجريت بماديسون بولاية ويسكونسن، ان درجات الحرارة في المناطق الحضرية هي اكثر برودة بنسبة 5 بالمئة اذ تصل نسبة الغطاء الشجري فيها الى 40 بالمئة. ويمكن ان تسهم الأسطح الخضراء بكساء نباتي كثيف بتبريد المباني بنسبة
 60 بالمئة. 
 
صحيفة الغارديان البريطانية