سائق كومبارس!!

الثلاثاء 03 آذار 2020 220

سائق كومبارس!!
حسن العاني 
منَ الامورِ الحياتيةِ المألوفةِ انْ يولدَ بعض الناس وهم يعانون من علة مرضية او نقص جسماني او تشوه خلقي، والعلل كثيرة ومنوعة ويصعب حصرها، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ضمور في هذه العضلة او تلك، التأتأة، العشو وضعف البصر، حالات الصم والبكم، العرج، القصور العقلي..الخ، ومن الطبيعي ان تتفاوت هذه العلل في تأثيرها الصحي والنفسي في الانسان، ومع ذلك فان الكثير منها مما يسهل علاجه والتغلب عليه.. أو التكيف معه.
جواد ابراهيم الشمري، هذا هو اسم صديقي الذي تعرفت عليه ايام الدراسة الجامعية في العام الدراسي 1966-1967، وتواصلت علاقة الصداقة معه الى يومنا المبارك هذا، والرجل يستحق عن جدارة مفردة (رائع)، فهو شعلة من الذكاء والثقافة، وعنوان كبير من عناوين البساطة والطيبة واليد السخية... كانت مشكلته التي رافقته منذ عهد الطفولة هي ضعف البصر الشديد والعشو الليلي، ولذلك لم تفارق النظارات الطبية عينيه، وعلى كثرة مراجعاته في داخل العراق وخارجه لاطباء العيون، غير إنه لم يفلح في التغلب على مشكلة (العشو) التي لم ينجح معها علاج!!
الرجل كيّف نفسه وواجه وضعه بما تقتضيه الحالة من تحوطات، فهو لا يغادر بيته ليلاً الا للضرورة القصوى، وعادة ما يكون احد برفقته، ولكن الامر الغريب الذي يبدو اقرب الى المفارقة – بالمناسبة فان حياة الشمري حافلة بالمفارقات الظريفة التي تتواءم مع شخصيته التي تتحلى بأعلى درجات الظرف والمزاح الساخر – فقد اشترى مركبة (خصوصي) تحت الحاح ابنائه وضغط زوجته، خاصة انه قد تجاوز الاربعين من العمر يومها، وخطوة مثل هذه بالنسبة لرجل يعاني من العشو ومتاعب النظر وتخطى الاربعين، تعدُّ (ورطة)، إن لم تكن قبل ذلك مجازفة محفوفة بالمخاطر... ولكنه قدّر اوضاعه وحافظ على اعلى درجات الحذر، واول ما اقدم عليه انه حرم اسرته من اية سفرة او نزهة ليلية، فهو لا يقود المركبة مع حلول الخيط الاول من الظلام، وغالباً ما كان يترك مركبته امام داره ويلجأ الى سيارة اجرة اذا حان وقت الغروب!! وكان الشمري يقول عن نفسه : أنا سائق كومبارس لأنني سائق نهاري فقط!!
ذات مرة سافر الى الكوت لزيارة شقيقه المريض، وبعد الاطمئنان عليه قرر العودة، وكان الوقت قبيل العصر، الا انه فوجئ بعطل في محرك المركبة، استغرق تصليحه ساعتين وكانت الشمس قد قاربت من المغيب، ولهذا راح يقود سيارته بأقصى سرعة، والسرعة القصوى عنده لا تتعدى 70 كيلو متراً في الساعة، وقبل ان يقطع نصف الطريق، كان الظلام قد خيمّ على كل شيء والرجل لا يرى من الطريق التي امامه سوى مترين وبالكاد، الا ان حسن الحظ خدمهُ حيث صادف وجود مركبة قديمة امامه لا تزيد سرعتها على 40 كم، وهو ما افرحه وبعث الطمأنينة في نفسه، وراح يسير وراءها مباشرة، يستدير اذا استدار ويبطئ اذا ابطأ، الا انه فجأة ارتطم بالمركبة التي امامه... ترجل السائق من سيارته وسأل الشمري (ليش اخي دعمتني)، ردّ عليه مستغرباً (أنت الذي توقفت فجأة)، قال له الرجل (انا لم اتوقف فجأة، وصلت الى بيتي ودخلت الكراج) كان الرجلان عاقلين وتفهما المشكلة وضحكا، ومن يومها اقسم صديقي على ان لا يقود مركبة.. وعلى حد قوله: إذا جاءت هذه المرة سليمة فمن يضمن في المرة القادمة انني لا ادخل الى غرفة النوم!!