بؤس النقد وتهافته

الثلاثاء 03 آذار 2020 348

بؤس النقد وتهافته
علي حمود الحسن
أي نقدٍ يفقد مصداقيته، وتنحرف مقاصده، وتقوض مداركه، ان لم يكن منتجه ناقداً موضوعياً شجاعاً في تمييز "المزيف والحقيقي"، هذا المفهوم وان بدا صارماً ، لكن اعماله وتفعيله في غمرة ما نعيشه من فوضى وانحدار قيمي، امر لابد منه،  لاسيما بعد انقلاب المفاهيم رأساً على عقب، وغياب المعايير الضابطة للمنتج الثقافي، الذي بهت وتراجع واختلطت معاييره والتبست، حتى ساد الغث وتعملق وتراجع السمين وانحسر، وكل هذا حدث بعد الاعصار العنيف الذي هز بنية المجتمع العراقي في 
العام 2003.
المنهك اصلاً بفعل نظام دكتاتوري حرق الاخضر واليابس، فساد الطارئون والمدعون، متسقين مع منظومة فساد قل نظيرها، مشروعها تفتيت الهوية الوطنية وطمس معالمها، هذا الاختراق بدا اكثر وضوحاً في المشهد الاعلامي العراقي، حتى ان بعض المتندرين اطلقوا على الصحافة  توصيف" مهنة من لا عمل له "، ولان النقد الفني في بلادنا  بلا معايير،  فقد تعالت اصوات وتنابزت القاب، وتشكلت جماعات وشيع، تتخادم مع بعضها من دون الالتفات الى دور النقد التقويمي والجمالي، وصار بعضهم يطلق على بعض اوصافاً مفخمة ومدائح زائفة، فتصدروا  المهرجانات وصفحات العالم الازرق، واستغلوا غياب الرقيب المهني، فعاثوا في المشهد الثقافي عموماً والفني خصوصاً فساداً، وصار النقاد اكثر عدداً من منتجي النص نفسه، في واحدة من اكثر المفارقات سريالية، فترتبت على ذلك انزياحات وظيفية في مفهوم  الناقد، الذي هو اصطلاحاً: " من امتلك القدرة والموهبة والثقافة، على احداث تغييرات جوهرية في مجرى الابداع الفني وتذوقه، وكذلك هو من يتنبأ بالرفيع والجديد ويعمل على على رفع مستوى الانجاز"، فليس غريباً ان نرى نقاداً يروجون 
لافلام ومهرجانات بلا قيمة ويحرضون على من ينتقدها، او يقيمها بموضوعية، متناسين ان عملية التقويم الموضوعي، هو جوهر اشتغال الناقد وعنوان مهنيته، والا كيف لنا أن نبني مشهداً فنياً وثقافياً سليماً وننمي خبرة متراكمة، ان لم نسم الاشياء بمسمياتها.
وقد نقل لي زميل يعمل في الحقل السينمائي، موقفاً يكاد يكون مصداقاً لكل ما تقدم ، قال: " كتبت ملاحظات عن تجربة سينمائية  محلية ، توفرت لها كل اسباب النجاح والدعم ، واستحقت الدعم والاشادة، لكن ثمرتها لم تكن بالمستوى المطلوب، فكان لزاماً عليّ ان  اشخص نقاط ضعفها واثني على حسناتها، وهكذا فعلت، فكانت النتيجة هجمة شرسة الى حد اتهامي بالوقوف ضد اي ظاهرة ايجابية في وطننا الحبيب!" ، وبهذا فهم لم يكتفوا بالتغاضي عن  الاخطاء وحسب، انما لا يريدون تصحيحها ايضاً، وهي مفارقة لا املك امامها، الا ان أردد ماقاله برنادشو: "  إذا كان كل شيء في هذا العالم إيجابياً، لن يكون لدينا 
ما نفعله".