كريم راضي العماري ينسى حروف الكتابة

الثلاثاء 03 آذار 2020 282

كريم راضي العماري ينسى حروف الكتابة

سعد صاحب

 
 
استعان الشاعر بالمعلمة لانقاذه من حالة الضياع، بوصفها القدوة التي تعلم الناس الرقة والحب والاخلاص والنبل والوفاء، ولكونها النقيض الرئيس للجهل والتخلف والمرض والفقر والتعاسة، والمختبر الحقيقي لشحذ الاذهان الفقيرة بالخيال، وزيادة القدرة الادراكية عند الانسان للتعبير عن افكاره الحرة، وتعويد العقل على الحوار والتحليل والمشورة والمناقشة والاقناع واثارة الاسئلة. 
بيت
في زمن الرخاء النسبي للعراقيين في فترة السبعينيات، اضاع الشاعر بيته  من كثرة الافكار السود المسيطرة على داخله الحزين، فلم يجد من يوجه له السؤال سوى هذه الانسانة النبيلة، لتزيد لديه جرعة الوعي وروح التحدي والمغامرة والثقة بالنفس المضطربة. 
العماري في هذه القصيدة يشاكس التيار الذي يتغنى بالحرية والسعادة والامان والاستقرار، فهي تحمل الكثير من النقد والاعتراض والخوف واليأس والمرارة، والاحساس الخفي بالسخرية من الذات الباحثة عن الخلود والشهرة والمجد الزائف . 
وللايضاح ان القصائد المكتوبة في تلك الفترة المشحونة بالمناظرات الادبية، افضل ما كتب من الاشعار الجديدة بمضامينها الساخرة من الواقع العربي ومن مراياه المظلمة، بالرغم من الاطراء المبطن بالهجاء والاجواء السلبية والخراب الشامل . 
 
(دليني هلي بيا صوب / والبيت الاسكنه بيا كتر بابه).
 
منار
يعد المعلم منار التائهين في ازمنة الضباب، لذا فلا حرج على من يطلب منه قبسا من النور ليضيء به الطريق المليء بالعثرات والاسلاك والمصدات والممنوع، ولا حلول لاوضاع الانسان العراقي الخائب، الا بالتعليم والعدل والمساواة والخلق والابتكار، وتفجير الطاقات الفردية المخبئة بالداخل المكبوت بالقسوة والتسلط وعدم فسح المجال والظلم والطغيان، ووراء كل كبت بوح طويل يغير مسار الاشياء . كان المعلم بمثابة مكتبة عامة متنقلة، وثورة تمشي على قدمين في الازقة والحانات والمقاهي والمجالس والشوارع، ومن المعروف عن المعلمين القدامى انهم كانوا يقرؤون الكتب وينشرون الوعي بين الفقراء المسحوقين، المحرومين من القراءة والاطلاع والسفر واكتشاف العالم الاخر، فلا عجب لاختياره المعلمة للاستدلال على ما اضاع . 
 
(ولو ما بينج وبيني/ حجي يوصل الهذا الحد/ لجن بنيادم يمون اعلى بنيادم/ لون تيه طريقه ودوهنه اصوابه). 
 
  اخطاء
في بداية القصيدة يفصح لنا الشاعر بوضوح  على ان المعلمة غريبة، ولا تربطه بها علاقة شخصية او نفسية او غرامية، وفي النهاية يكسر افق التوقع بكشفه عن معرفة قديمة بها، اقرب ما تكون الى الصداقة او الحب او الاعجاب، وهذا ما يؤكده في شطر شعري ساخن، يحذرها به من ذنوبه المتراكمة، ومن خيالاته الجامحة في وسط اجتماعي لا يغفر 
الاخطاء.
 تشوشت الصورة لدينا بين سؤاله الى امرأة عابرة ان ترشده الى البيت، وبين تحديد عملها في السلك التعليمي، ولم يخبرنا انها موافقة او مترددة، وبين طلبه الخاص منها بالابتعاد عن هواجسه القلقة، ثم اباح بمعرفتها به كشاعر مهووس بالشعر والسهر والعزلة والارتياب، ومن هذا نستنتج ان العماري مرتبط معها بصحبة آلت الى نهاية مقفلة . 
(شلج بذنوب شاعر 
صفنته طلابه).