{بريكست} تدفع البولنديين لمغادرة بريطانيا

الثلاثاء 03 آذار 2020 316

 {بريكست} تدفع البولنديين لمغادرة بريطانيا
جيمس شوتر  ترجمة: بهاء سلمان
 
على مدى الـ 15 سنة الماضية، عاش ماتيوس ودرس وعمل داخل المملكة المتحدة، كواحد من بولنديين كثيرين غادروا موطنهم في بدايات القرن الحالي بحثا عن فرص أفضل خارج
البلاد.  لكن حاليا، ووسط حالة عدم استقرار بسبب تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي والقلق على شؤون الأسرة مع ارتفاع تكاليف المعيشة، يفكر ماتيوس مليا بالعودة الى الديار. 

يقول البولندي الأب لطفلين وصاحب الـ37 سنة، والذي لم يرغب بذكر اسمه الكامل: “لقد قضيت سنين عديدة في بريطانيا، وأنا أعدها موطني. الأمر مؤلم للغاية بالنسبة لي، لأن عائلتي لديها علاقات هنا، فجميعنا نرتبط بعلاقات صداقة مع الآخرين. الأمر صعب تماما، لكن على المرء اتخاذ القرار”.
 
غزو بولندي
ماتيوس، الذي درس في مدينة شيفلد قبل أن يعمل اخصائي اقتصاديات القطاع العام، كان جزءا من موجة هائلة لأعداد كبيرة من شباب بولندي انتفعوا من ميزة حرية العمل والعيش داخل القارة الأوروبية بعد انضمام بلادهم الى الاتحاد الأوروبي سنة 2004. وبحلول سنة 2018، كان نحو 2,5 مليون بولندي يعملون خارج البلاد.
في سنة 2018، انخفض هذا الرقم لأول مرة خلال ثماني سنين بمقدار قارب الـ 85 ألف فرد، بحسب وكالة الاحصاء البولندية. ومع توقعات بتقلص عدد سكان بولندا بنسبة 12 بالمئة بحلول سنة 2050، يتملّك الحماس حزب القانون والعدالة الحاكم لتوظيف الاقتصاد المزدهر لهذه الدولة الواقعة وسط أوروبا لجذب المزيد من المهاجرين واعادتهم للديار للمساعدة في معالجة النقص الحاصل بسوق العمالة البولندية.
قال ماتيوز موراوسكي، رئيس وزراء بولندا، الشهر الماضي: “تدنت ايراداتنا المالية للفرد الواحد على أقل تقدير بنسبة خمسة بالمئة نتيجة لهذه الهجرة، وهذه جزية ضخمة دفعتها بولندا لدول الغرب الغنية. مثل هذه الضريبة المدفوعة من فقير الى غني ليست طبيعية، وعلى الدول ذات المعايير العالية وضع حد لهذا الحال.”
ووفقا لوكالة الاحصاء البولندية، فإن عزو انحدار أعداد البولنديين العاملين في الخارج، وبشكل رئيس تقريبا، بسبب انخفاض أعداد المقيمين ضمن بينات الهجرة البريطانية يعد أمرا غير دقيق بشكل ملحوظ، ويزيد من صعوبة تفسير حقيقة اقدام الكثير من البولنديين على اكتساب الجنسية البريطانية لتفادي أضرار البريكست المتوقعة. لكن كلا من البيانات البولندية والبريطانية تشير الى انخفاض أعداد البولنديين في بريطانيا ببضع عشرات آلاف الأشخاص على مدى الـ18 شهرا الماضية.
 
تعدد الأسباب
يقول جاكوب كروبا، عضو هيئة المركز المجتمعي البولندي في بريطانيا، أنه بالوقت نفسه الذي يمثل فيه مشهد البريكست “ضغطا على الزناد” يرغم البولنديون الذين لم يتمكنوا في ما مضى من فعل الكثير للتفكير بخططهم البعيدة الأمد، فإن الأسباب الرئيسة لمغادرة البولنديين تميل الى أن تكون شخصية. “الأمر متعلّق أكثر بادراك الناس لكونهم قد حققوا شيئا يريدونه في بريطانيا، إن كان توفير المال لشراء أملاك أو بنائها في بولندا، أو تطوير وظائفهم قليلا، أو تكوين أسرة. هم يقولون: لقد وصلت الآن الى المرحلة التي أتيت هنا لأجل تحقيقها منذ سنين ... ولربما قد حان الوقت للعودة الى بولندا، لكي أكون قريبا من الوالدين أو بقية أفراد العائلة.”
بالنسبة لماريا روزونوفيسكا، التي انتقلت الى وارشو كانون الأول الماضي، بعد 16 سنة قضتها في بريطانيا، كان السبب هو الاشراف على الأعمال التجارية للشركة التي تعمل لديها: “فكرت مع نفسي “لماذا لا أقدم على هذه الخطوة؟ ستكون فرصة رائعة، وستمنحني مجالا لأكون بالقرب من عائلتي. هذا ما جعلني أعود، وليس محاولات الحكومة لتشجيع الناس على العودة. أنا ربما لست الشخص النموذجي الذي يصوّت لجانب الحكومة.”
كارول سكرزيسزوفسكي، الذي غادر لندن سنة 2016 ويضارب بماله لدى فرع في احد المصارف العالمية بمدينة كراكوف البولندية، فقد جذبه التيسير المتزايد للوظائف الجيّدة، وهو انعكاس لنجاح البلاد في اقناع الشركات العملاقة بنقل عملياتها داخل بولندا. لكنه تأثر أيضا بمستوى المعيشة، الذي تبقى أدنى بكثير مما عليه في غرب أوروبا، حتى في المدن الكبرى كوارشو وكراكوف وغدانسك، إذ انتشرت الحانات والمقاهي الجديدة، اضافة الى مباني الشركات المشرقة، بأعداد هائلة خلال السنين الاخيرة. “كنت حائرا بين الاستقرار في لندن أو العودة للديار، وبرز لدي سبب رئيس حينما تمكنت من توفير مال كاف لشراء شقة في لندن، إذ أدركت حينها بامكانية شرائي لشقة ممتازة في كراكوف بكل سهولة”.
 
البحث عن الذات
أما توماس فيكس، الذي عمل منظف مطبخ ونادلا في لندن قبل أن يصير مدربا شخصيا، كانت انتقالته الى فروكلاف، مدينة صغيرة غرب بولندا، متعلّقة أيضا بنمط الحياة: “أنا استمتعت حقا بالعيش في لندن، لكن ساورني شعور أيضا بالانهماك نوعا ما،” يقول توماس، مضيفا أن تطوّر اقتصاد بولندا خلال السنين التي قضاها في الغربة سهلت من اتخاذه للقرار. “أشعر بوجود فرص كثيرة للغاية أكثر مما مضى.”
ومع ذلك، وبالنسبة لكثير من البولنديين المقيمين في الخارج لسنين، فان التأقلم مع المجتمع البولندي الأكثر تحفظا ربما ستمثل عملية تكتنفها الصعوبات. وتسرد روزنوفسكا عن صدمتها بثقافة المجتمع، بينما يشير ماتيوز لعدم تصوّره العودة الى رزيزوف، مدينة متوسطة الحجم تقع شرقي بولندا الأفقر حالا، ويتأمل بالعودة فقط الى محيط أكبر ومتعدد الجنسيات، مثل وارشو. “بالنسبة للكثيرين، الانتقال الى بولندا لا يمثل عودة، بل هجرة أخرى.”
لهذا السبب، لا يزال جزء كبير من الـ900 ألف بولندي مقيما داخل بريطانيا؛ وربما يختار الآخرون من المغادرين وجهة أخرى داخل دول الاتحاد الأوروبي بدلا من بولندا. لكن مع تكيّفها حاليا مع محيطها، تشعر روزونوفسكا بالتفاؤل بامكانية مساهمة العائدين بتطوير بلادهم الجديدة القديمة: “الأمر القيّم الذي يحمله الواحد منا حينما يعود من الخارج هو الانفتاح على التغيير والثقافات المختلفة وطرق العمل المتنوّعة، وهذا ما يمكن للبولنديين المقيمين في بريطانيا من جلبه 
معهم”.