مقترحات امام مهمّة حلف الناتو الجديدة في العراق

الأربعاء 11 آذار 2020 1758

مقترحات امام مهمّة حلف الناتو الجديدة  في العراق
ديفد بترايوس وفانس سيرشوك - ترجمة / انيس الصفار
عقب مناشدةِ الرئيس “دونالد ترامب” حلفاء أميركا لتقديم “مزيد من المساهمة في الشرق الأوسط” اتفق وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” في الشهر الماضي على “الارتقاء” بمهمة التدريب التي يقوم بها حلف الاطلسي في العراق. رغم أن معايير الدور الجديد للناتو لم تحدد بشكل دقيق بعد أن أشار السكرتير العام للحلف “جينز ستولتنبرغ” إلى أن المهمة ربما ستشمل التكفل ببعض المهام التي تتولاها حالياً القوات الأميركية في دعم جهود وحدات الجيش العراقي المنصبة على منع عودة عصابات “داعش” الارهابية من جديد.

حثُّ أميركا حلفاءها في الناتو، وكذلك بقية الشركاء في التحالف من مختلف انحاء العالم، على الاضطلاع بمسؤولية أكبر في منع قيام العصابات المتطرفة في العراق أمر منطقي من حيث المبدأ. إذ ما الذي يدعو الولايات المتحدة لتحمل نصيب الأسد من عبء درء الارهاب وإيقافه عند حده في حين أن الخطر المحدق  بالمجتمعات عبر الأطلسي ليس بأقل، إن لم نقل أكثر؟.
علاوة على ذلك، كما يقول وزير الدفاع الأميركي “مارك إسبر”، فإن نشر مزيد من القوات الأوروبية ومعداتها العسكرية في الشرق الأوسط سوف يتيح لواشنطن أن تخفض تواجدها هناك. هذا بطبيعة الحال سوف يسمح للبنتاغون بأن يعيد توجيه اهتماماته وموارده الثمينة نحو ما تصفه ستراتيجية الدفاع القومي للعام 2018 بـ “الأولويات العليا الجديدة”، وعلى رأسها منافسة القوى العظمى، لاسيما الصين في مناطق المحيطين الهندي والهادئ.
أما بالنسبة للقادة العراقيين في بغداد فإن مقدم قوات أجنبية للعمل تحت راية حلف الناتو قد يكون أكثر استساغة من الناحية السياسية، خصوصاً في ظل الضغوط التي يواجهونها لإخراج القوات الأميركية، أو تقليص نطاق عملياتها، في أعقاب الضربة الأميركية بالطائرات المسيرة في 3 كانون الثاني الماضي التي أودت بحياة زعيم فيلق القدس العتيد قاسم سليماني.
هذه الحجج جميعاً مقنعة وقوية، بيد أن التاريخ يذكرنا بأن على صناع السياسة الأميركيين وفي حلف الناتو أن يتوخوا الحذر ويكونوا على وعي، وبمنتهى الواقعية، بشأن ما يقوى على فعله الشركاء الأوروبيون، والناتو كمنظمة، حين يكونون بمفردهم، لاسيما مع بروز دلائل تنم عن ان عصابات “داعش” الارهابية آخذة بإعادة بناء نفسها مجدداً. أي ضغط على الموارد والقدرات يتعدى حده، وبأسرع مما ينبغي، سوف يحمل معه مجازفة انتهاء المسار الى الفشل.
لقد سبق للولايات المتحدة الوقوع في هذا الخطأ من قبل في واقع الأمر، فخلال منتصف أعوام ما بعد 2000 أناطت ادارة الرئيس “جورج دبليو بوش” بحلف الناتو مسؤوليات ضخمة تتعلق بالأمن في أفغانستان. كان الأمر حينها أشبه بما يحصل في العراق اليوم، حيث حسب المعنيون أن من المأمون فعل ذلك نظراً لأن العدو هناك، وهو الطالبان في تلك الحالة، قد مني بهزيمة كبرى. ومثلما يحصل الان، كانت هنالك آمال بأن حث الحكومات الأوروبية على ارسال جنودها الى أفغانستان سوف يخفف العبء عن كاهل القوات الأميركية التي كانت تعاني من جهد فرط الانتشار بسبب الحرب الأخرى الناشبة في العراق.
ما حدث بعد ذلك حكاية فيه تحذير ينبغي أخذه بالاعتبار في لحظتنا الراهنة. فرغم أن العديد من حلفاء أميركا في حلف الناتو رفعوا من مستوى استجابتهم لنداء إدارة بوش طلباً للمساعدة، ورغم أن قواتهم أدت ما أوكل اليها بشجاعة وشرف على الأرض في أفغانستان، فإن تلك القوات كانت تفتقر في كثير من الاحيان الى القدرات الأساسية التي تتطلبها المعارك التي أقحمت فيها. في أحيان أخرى قوّضت “التحفظات القومية” فعالية بعض اعضاء الحلف من منعها من اداء مهامها الأساسية المناطة بها، وفي حالة احدى الدول حالت تلك التحفظات دون القيام بالعمليات الهجومية. عندئذ وقعت على الولايات المتحدة مهمة التعويض عن النقائص والمحددات التي ترتبت على تلك “التحفظات القومية”.
سيكون من الحكمة أن تتذكر إدارة ترامب هذه التجربة وتبقيها في البال وهي تواصل الضغط طلباً لمزيد من الحضور النشط للناتو في العراق. بل أن بمستطاع واشنطن، ومن واجبها إن شئت الحق، أن تحشد حلفاءها من وراء الأطلسي وتحثهم على رفع مستوى مشاركتهم في المهمة هناك، بما في ذلك دورهم كمستشارين للوحدات العراقية. بيد أن الأمر سيتطلب حصافة رأي وقوة انضباط للتأكد من أن تلك الجهود سوف تفضي الى تقوية الجهد الاجمالي هناك بدلاً من زيادته تعقيداً.
من المهم ابتداء أن نقر بأن القادة العسكريين العراقيين، الذين أمضوا الان سنوات عديدة في ساحات الحرب، لم يعودوا بحاجة الى كثير من المشورة في كيفية تنفيذ معظم العمليات التكتيكية معتمدين على قواتهم. كذلك يستطيع العراقيون أن يفهموا التضاريس الميدانية والبشرية في بلدهم أفضل مما سيقدر عليه أي مستشار أجنبي. الجوانب التي قد يحتاج فيها العراقيون الى المساعدة هي تعلم كيفية تمكين عملياتهم العسكرية من تجنيد القدرات التقنية العالية، مثل وسائل الاستخبار والرصد والاستطلاع المحمولة جواً (التي يقودها طيار أو المسيرة بدون طيار)، والعمليات السبرانية، وتسديد الضربات باستخدام الوسائل الدقيقة الجوية منها والارضية، والدمج بين المعلومات الاستخبارية.
وجود المستشارين من دون توفر عوامل التمكين الضرورية قد يكون ضئيل القيمة، أو عديمها بالمرة، في مساعدة النظراء العراقيين أو تعزيز جهود ابقاء عصابات “داعش” تحت السيطرة.
مكمن المشكلة هنا هي أن الجيش الأميركي يمتلك هذه القدرات بأعداد تفوق كثيراً ما يمتلكه باقي الشركاء مجتمعين. إضافة الى ذلك ان القوات الأميركية، وبالذات قوات العمليات الخاصة والوحدات المشكلة لمهام معيّنة التابعة للجيش، قد تراكمت لديها خبرات ومهارات عظيمة في توظيف هذه القدرات منذ احداث 11 أيلول. مقارنة بالولايات المتحدة تبدو هذه الخبرات أقل وضوحاً لدى حلفاء الناتو، عدا استثناءات قليلة. حتى القلة من الحلفاء الذين تمكنوا من تطوير هذه القدرات ذاتياً في تلك الجوانب والميادين، مثل فرنسا وبريطانيا، يجدون أنفسهم بحاجة ملحة اليها. لذا سينبغي عليهم الموازنة بين أي التزام يتعهدون به في العراق ومسارح العمليات ذات الأولوية بالنسبة لهم وحيث يحتفظون بقوات عاملة، كما هو الحال في مالي أو مناطق أخرى من الشرق الأوسط عدا العراق.
تبعاً لذلك يجب على قيادتي الولايات المتحدة والناتو، وهما في خضم الحث على تقديم مساهمات أكبر، أن تقاوما اغراء تقبل أية قوات لا تأتي معها بالمهارات والخبرات والمعدات التي تقتضيها المهمة الاستشارية في العراق. علاوة على هذا يجب أن يؤكد قادة الولايات المتحدة والناتو على عدد من المبادئ الاخرى المطلوب توفرها في أي عنصر استشاري ينظر في أمر ارساله الى العراق. هذه المبادئ تتمثل فيما يلي:
يجب على المستشارين أن يكونوا مستعدين للعيش مع الوحدات العراقية التي يقدمون لها الاستشارة طيلة 24 ساعة في اليوم ولمدة سبعة أيام في الاسبوع. فالمستشارون لن يمكنهم العمل “بصيغة الدوام” خلال المعركة، بل ينبغي عليهم التواجد بين صفوف شركائهم بشكل ثابت ودائم.
يطلب من المستشارين الخدمة على الأرض لمدة لا تقل عن 12 شهراً خلال الارسالية الواحدة. فقضاء ثلاثة أو ستة أشهر في العراق ستكون كافية لتطوير المعرفة العميقة وتوثيق العلاقات الضرورية لكي تكون للمستشارين فعاليتهم.
يجب ألا يقبل لمهمة “مستشار” سوى اولئك الذين أثبتوا قدرتهم على تنفيذ مهام من النوع الذي سيطلب منهم تأديته في العراق. مثلاً سينبغي على المستشارين الأقدمين التابعين لحلف الناتو، الذين يرسلون للعمل كمستشارين للأفواج والألوية العراقية، أن يكونوا قد تولوا قيادة أفواج وألوية تابعة لجيوش بلدانهم خلال زمن السلم، إن لم نقل في زمن المعركة. كذلك ينبغي عليهم أن يوظفوا (خلال مرحلة التدريب على الأقل) قدرات التمكين التي ستكون أهم مساهمة تحتاج اليها الوحدات العراقية التي يعمل المستشارون بين صفوفها.
يجب أن يتلقى المستشارون وأعضاء الفريق الذين سيرافقونهم فترة إعداد لا تقل عن ثلاثة أشهر غير منقطعة تمهيداً لإرسالهم في المهمة، مع عدم تكليفهم بأية مسؤوليات خلال هذه المدة. يجب أن يتضمن هذا الإعداد زيارة سابقة للإرسال الى المنطقة التي سيعملون فيها، واستكمال عملية إصدار الشهادات الاصولية (التي ينبغي عدم السماح لهم بالارسال من دونها)، وإثبات جدارتهم من خلال إجراء تمرين مراجعة يسبق الإيفاد. النقل عبر مراحل متدرجة يجب أن يتضمن العمل بتلازم كامل لفترة مطوّلة مع عناصر المستشارين الأميركيين الذين سيحلون محلهم، أي “أخذ المقعد المجاور للسائق قبل الانتقال الى مقعد السائق”، من اجل توفير المشورة وتأمين منفذ الى قدرات الناتو.
لا ننكر أنها عوائق صعبة، ومعنى ذلك أن عدداً قليلاً من المرشحين للعمل كمستشارين فقط سيتمكنون من التأهل والذهاب الى العراق ضمن مهمة حلف الناتو التدريبية. إن يكن هذا هو واقع الحال فبها، إذ من الأفضل للحلف أن يأتي وفاؤه بالوعد أكبر بكثير من الوعد نفسه من أن يكون العكس. فالشروع ببداية متواضعة ثم بناء حضور تدريجي لحلف الناتو بتواكب مع التحقق من دقة المفاهيم والاداء أفضل كثيراً من التخلف عن تحقيق الوعد.البديل عن ذلك، أي أن يوافق الناتو على انتداب أوسع ثم سرعان ما يتعثر وينكفئ، لن يكون مجدياً للحلف ولا للعراقيين ولا حتى للمصالح القومية للولايات المتحدة في مسعاها لمنع عودة عصابات “داعش”.
هذه النصيحة قد لا تكون موضع ترحاب من قبل اولئك الذين يتوقون لرؤية الولايات المتحدة تحرر نفسها من تشابكات العراق والشرق الأوسط الأوسع عن طريق استبدال القوات الأميركية بأخرى من حلف الناتو أو سواه من دول الشركاء. ولكن ثمة درس بليغ على إدارة ترامب أن تعيه جيداً من تجارب الادارات السابقة، وهو أن لا وجود أبداً لطريق مختصر يوصل الى النجاح في بلاد ما بين النهرين، والتظاهر بخلاف ذلك ليس إلا طريقاً نحو التهلكة.
 
عن مجلة “فورن بولسي”