العجيب والعجائبي في رحلة ابن بطوطة

الأحد 29 آذار 2020 180

العجيب والعجائبي في رحلة ابن بطوطة
 شكر حاجم الصالحي 
في مسعىً بحثيًّ جاد له, يرصد من خلاله ما في رحلة ابن بطوطة من غرائب وعجائب دونّها في زمنه ذاك, أفادت الاجيال اللاحقة بما تضمنته من معلومات نافعة اضاءت طريق الباحثين والقراء على حدٍ سواء, وهذه الدراسة المهمة نشرها الدكتور علي حداد في العدد (14) حزيران 2019 في مجلة الموروث التي تصدر عن معهد الشارقة للتراث, وقبل الخوض في عرض هذه الدراسة، لابد من الاشارة الى ما قاله بيرتي جي بيلتو في كتابه» دراسة الانثربولوجياــ المفهوم والتاريخ): 

لم يكن ماركو بولو ولا ابن بطوطة ولا غيرهما من الرحالة الاوائل يعلمون ان ملاحظاتهم الميدانية عن الشعوب والاجناس البشرية، التي زاروا بلدانها ستكون نواة لعلم جديد, هذا العلم الذي يمثل أحدث حلقة في سلسلة العلوم الاجتماعية، ويرى (بيلتو) أن الانثربولوجيا هي دراسة الانسان وأعماله, وان ذلك التعريف وحده يمكن في الحقيقة أن يضم جميع الدراسات الميدانية المتنوعة.
ونعود الى دراسة الدكتورعلي حداد لنضيء بعض جوانبها التي تناول فيها رحلة ابن بطوطة( 704ــ 779هــ) التي عنوانها» تحفة النظّار في غرائب الأمطار وعجائب الأسفار» .. وهي رحلات ثلاث قام فيها ابن بطوطة في أقاليم مختلفة وبلدان متعددة في مشرق الارض ومعرفها, مسجلاً فيها ذلك الذي تهيأ ان يرصده من سمات جغرافية تلك البلدان والاقاليم ومعالمها الشاخصة, وليطلع القارئ المتابع على خط سير رحلة ابن بطوطة الاولى, ليتبين كم هي المتاعب والمصاعب التي صادفته, وهذه الرحلة التي بدأت من قارة افريقيا باتجاه أقصى شرق آسيا, هي اطول رحلات ابن بطوطة التي بدأها: طنجة/ المغرب/ الجزائر/ تونس/ ليبيا/ مصر/ بلاد الشام/ الحجاز( أدى فريضة الحج) / العراق/ بلاد فارس/ ومنها سلك طريق العودة الى الحجاز ليحج ثانية/ بلاد البلغار/ بلاد القرم / خوارزم/ بخارى/ افغانستان/ الهند/ جزر المالديف/ سيلان/ البنغال/ بنغلاديش/ جاوه/ سومطرة/ الملايو/ الصين/ مليبار( ميانمار/ عمان/ البصرة بغداد تدمر/ بلاد الشام/ مصر/ الحجاز/ ثم مصر/ ليبيا/ تونس/ الجزائر/ المغرب/ فاس/.
ينظر الدارسون الى ابن بطوطة الى أنه اعظم رحالة عربي في العصور الوسطى, كونه من تهيأ له ان يقوم بأطول الرحلاتــ في مداها الزماني واتساع مسارها الجغرافيــ واكثرها ثراءً، في ما استوعبته من توصيف للبلدان التي زارها واخبارها واحوال اهلها الذين تعايش مع كثير منهم على نحو مباشر وطويل الأمد.
ويستفيض الدكتور علي حداد في تقديم ما هو معرفي في قوله:
تتوافر في العربية مفردات عدة للتعبير عما هو فوق العادي مثل: العجيب, الغريب, المبهر المدهش, وهي وان بدت متقاربة الدلالة, إلا أنّ تلمسّا بيّنا ممكن التوافر عليه لتلمس ما بين تلك المفردات من فروقات دلالية ويضيف الباحث الاكاديمي دكتور حداد:
ولعل جماع ما تذهب إليه كلها هو ما احتوته مفردة» العجيب» التي يوردها» لسان العرب» مؤصلة من» العُجب والعَجب» الذي هو» انكار ما يرد عليك لقلة اعتياده» وقال الزجّاج: أصل العجب في اللغة ان الانسان اذا رأى ما ينكره ويقل شأنه, قال: قد عجبت من كذا, وقال ابن الاعرابي: العجب النظر الى شيء غير مألوف، أما اصطلاحاً وطبقاً لما أورده الجرجاني فإن العجب: تغيّر النفس بما خفي سببه وخرج عن العادة مثله وهو ما قاربه القزويني بقوله: العجب حيرة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفة سبب الشيء, أو عن معرفة كيفية تأثيره 
فيه.
ومن الوقائع ذات الطابع الاعتقادي في رحلات ابن بطوطة الثلاث ما اورده حداد في هذه الدراسة القيمة التي تشير الى ما دونه هذا الرحالة 
بقوله:
ومنهم الامام العالم الزاهد الورع الخاشع( برهان الدين الاعرج) من كبار الزهّاد وافراد العباد, لقيته أيام مقامي بالاسكندرية, واقمت في ضيافته ثلاثاً, دخلت عليه يوماً قال لي: أراك تحب السياحة والجولان في البلاد؟ فقلت له نعم اني احب ذلك, ولم يكن في خاطري التوغل في البلاد القاصية من الهند والصين, فقال: لابد من لك, ان شاء الله من زيارة اخي( فريد الدين) بالهند, وأخي( ركن الدين زكريا) بالسند, وأخي( برهان الدين) في الصين, فإذا بلغتهم ابلغهم في السلام, فعجبت من قوله, وألقي في روعي التوجه الى تلك البلاد, ولم أزل أجول حتى لقيت الثلاثة وابلغتهم سلامه( الرحلة ص 24).
وفي ختام هذا العرض أود أن اشير الى رأي حصيف رآه دكتورعلي حداد في ختام دراسته، اذ يرى:
يبدو ان نزعة الفرجة المندهشة بما تراه التي توافر عليها( ابن بطوطة) جعلته يخلط بين ما عاينه حقاً وما كان يروى له من غرائبية الوقائع, وما يكون من ظواهره في المخلوقات الاخرى 
والطبيعة.
وبعد كل هذه تبقى رحلة ابن بطوطة بكل ما فيها, واحدة من الرحلات المثيرة للتأمل من منظور انساني عن ذات تغادر بلدها وطمأنينة وجودها لتسيح في بلاد الدنيا, وكل همها ان تشبع رغبتها في مشاهدة الشعوب والبلدان ومقاربة وجودها الثقافي ومعانية ما لها وما هي عليه.
ويبقى هذا العرض قاصراً عن تقديم اضاءة وافية كاشفة تستحقه دراسة حداد الذي أفادنا وأمتعنا بما هو غرائبي ومدهش.