متى يصبح لقاح مرض كورونا جاهزاً؟

الاثنين 30 آذار 2020 377

متى يصبح لقاح مرض كورونا جاهزاً؟

ترجمة: أنيس الصفار *
لم تستطع ستراتيجيات الاحتواء، حتى وهي في ذروة فعاليتها وضراوتها،  تحقيق شيء سوى الحد من سرعة انتشار مرض الجهاز التنفسي المعروف باسم "كوفايد-19". ومنذ أن اعلنت منظمة الصحة العالمية عن تصنيف المرض بأنه جائحة عالمية تحولت الانظار متطلعة الى أمل ظهور لقاح، لأن اللقاح وحده الان هو المنقذ القادر على حماية الناس من السقوط بين براثن المرض.

لأجل الحصول على هذا اللقاح تتسابق نحو 35 جهة، ما بين شركة ومعهد علمي، وقد تمكنت اربع منها حتى الان، على الاقل، من الوصول الى لقاحات مرشحة للتجربة على الحيوانات. أول هذه اللقاحات، وهو ذلك الذي انتجته شركة "موديرنا" للتكنولوجيا الحيوية ومقرها بوسطن، على وشك دخول مرحلة التجربة على البشر.
يرجع جل الفضل في هذه السرعة غير المسبوقة الى الجهود الصينية الأولى في اكتشاف ترتيب المادة الجينية للفيروس المسمى "سارس- كو في-2" المسبب لمرض "كوفايد-19". ففي شهر كانون الثاني نشرت الصين خارطة الترتيب الجيني التي توصلت اليها، وبذلك سمحت لفرق البحث في العالم بتنمية الفيروس الحي ودراسة كيفية غزوه للخلايا البشرية وتسببه بالمرض للبشر. ثمة سبب آخر مكن من تحقيق هذا التقدم المبكر. فرغم أن ما من احد قد توقع ان يكون فيروس كورونا بالتحديد هو المسبب للمرض المعدي الذي سيجتاح الكرة الارضية كلها (حيث كان مرض الانفلونزا يعتبر هو المرض الوبائي الأخطر) كان خبراء اللقاحات عاكفون منذ أمد على دراسة "نماذج أولية" من الفيروسات المرضية. يقول ريتشارد هاتشيتالمدير التنفيذي الأعلى لتحالف الابتكار والاستعداد للأوبئة، المعروف اختصاراً باسم "سيبي"، الذي يتصدر جهود تمويل وتنسيق عمليات تطوير لقاح مضاد لمرض كوفايد-19: "السرعة التي تمكنا بها من انتاج هذه اللقاحات المرشحة استندت بدرجة كبيرة على جهود سابقة كانت تحاول معرفة كيف نستطيع أن نطور لقاحات ضد أنواع أخرى من فيروس الكورونا.  
سبق لفيروسات كورونا أن تسببت بوبائين آخرين من قبل، كان الأول مرض الالتهاب الرئوي الحاد (المعروف اختصاراً باسم سارس) الذي اصاب الصين خلال الفترة 2002 – 2004، والثاني هو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (المعروفة اختصاراً باسم ميرس) التي انطلقت من السعودية في العام 2012. في كلتا الحالتين ابتدأ العمل لإنتاج لقاح، ولكنه لم يلبث أن توقف وركن على الرف بعد التمكن من احتواء الوباء. بيد أن احدى الشركات، واسمها "نوفافاكس" في ولاية مريلاند، تعمل الان على تغيير الوجهة التي تستهدفها اللقاحات، التي كان يفترض بها اصلاً استهداف الفيروس "سارس- كو في-2". تقول هذه الشركة ان لديها اليوم عدداً من اللقاحات المرشحة لدخول مرحلة التجربة على البشر خلال موسم الربيع. إبان ذلك كانت شركة "موديرنا" تتخذ من أعمال سابقة اجراها المعهد القومي الأميركي للحساسية والامراض المعدية في ولاية مريلاند تستهدف فيروس ميرس، أساساً لعملها. يشترك فيروس "سارس- كو في-2" مع الفيروس المسبب لمرض سارس بالمادة الوراثية بنسبة 80 الى 90 بالمئة، ومن هنا جاء الاسم. كلا الفيروسين يتكون من شريط من الحمض النووي "آر أن أي" داخل كبسولة بروتينية كروية الشكل تبرز منها نتوءات على شكل اشواك. هذه الاشواك مهمتها التشبث باحكام بالمستقبلات الموجودة على بطانة خلايا الرئة عند الانسان وهذا يسمح للفيروس باقتحام الخلية. بمجرد أن يصبح الفيروس داخل الخلية يفرض سيطرته على آلية التكاثر فيها ويأخذ بإنتاج مزيد من النسخ عن نفسه قبل أن يخرج منها مجدداً، وتكون الخلية قد دمرت تماماً خلال هذه العملية.
تعمل جميع اللقاحات وفق مبدأ اساسي واحد، حيث يعرّض جهاز المناعة عند الانسان للمسبب المرضي، كاملاً أو لاجزاء منه، ويتم ذلك عادة على طريق حقنة وبجرعة منخفضة لتحفيز الجهاز على انتاج اجسام مضادة للمسبب المرضي. الاجسام المضادة هي شكل من اشكال الذاكرة المناعية التي ما ان تتعرض للتحفيز مرة حتى يصبح بالامكان استنفارها مجدداً وبسرعة متى ما تعرض الشخص للفيروس بصورته الطبيعية.
تتحقق الحصانة بالتطعيم تقليدياً عن طريق استخدام نسخ مضعّفة من الفيروس، حيث يؤخذ الفيروس بعد افقاده قدراته بواسطة الحرارة او المواد الكيميائية. بيد أن لهذه الطرق سلبياتها، لأن النسخة الحية تبقى لديها القدرة على مواصلة تطورها داخل جسم المضيف ومن المحتمل ان تستعيد قدراً من نشاطها فتسبب له المرض، وقد يتطلب الأمر احياناً استخدام جرعات عالية أو متكررة من الفيروس المضعّف لبلوغ المستوى المطلوب من الحصانة. بعض مشاريع انتاج لقاح "كوفايد-19" لا تزال تستخدم تلك الاساليب القديمة المجرّبة، ولكن هنالك اليوم مشاريع اخرى تستخدم تقنيات أحدث. احدى الستراتيجيات الحديثة، وهي التي تعتمدها شركة "نوفافاكس" على سبيل المثال، تنشئ اللقاح انشاء بأسلوب "إعادة التوليف". يتضمن اللقاح في هذه الحالة استخلاص الشيفرة الجينية للشوكة البروتينية الناتئة من سطح فيروس "سارس- كو في-2" ، وهي الجزء الذي يعتقد أنه يتسبب برد الفعل المناعي لدى الانسان، ومن بعد ذلك إقحامها ضمن الخارطة الجينية لخلية بكتيرية أو خلية خميرة فتتحفز الخلية بذلك وتأخذ بانتاج كميات كبيرة من البروتين المذكور بلا توقف. هنالك ايضاً طرق اخرى اكثر حداثة تتخطى البروتين نفسه وتنشئ اللقاح بالاعتماد على المعلومات الجينية، وهذا هو الاسلوب الذي تنتهجه شركة "موديرنا" وشركة اخرى مقرها بوسطن اسمها "كيورفاك". كلتا الشركتين المذكورتين تعتمدان على الحامض النووي "آر أن أي" لإنتاج لقاح "كوفايد-19".
يميل "تحالف الابتكار والاستعداد للأوبئة - سيبي" بقوة الى انتهاج التقنيات الأرفع ابتكاراً، وقد أعلن في الاسبوع الماضي عن قيام شراكة بمبلغ 4,4 مليون دولار مع شركة "نوفافاكس" ومشروع ثان للقاحات تجريه جامعة أوكسفورد. يقول هاتشيت: "ما تعلمناه من خبرتنا في تطوير اللقاحات هو أنك لا تستطيع التنبؤ اين تأتيك العثرة." ومغزى هذا الكلام ان التنوع عنصر أساسي، لأن المرحلة الأقوى احتمالاً للتعثر هي مرحلة التجارب السريرية أو مرحلة الانتقال للاختبار على البشر، وهي المرحلة التي يوشك عدد من اللقاحات المرشحة على دخولها قريباً. 
التجارب السريرية متطلب اساسي لابد منه قبل الحصول على الموافقات الاصولية، وهي على ثلاث مراحل. في المرحلة الاولى، التي يشارك فيها بضع عشرات من المتطوعين الاصحاء، يجري اختبار اللقاح من ناحية الأمان حيث تجري مراقبته للتأكد من انه لن يتسبب بأي آثار مضرة. في المرحلة الثانية يشارك عدة مئات من الناس، وهي تجرى عادة في احدى بقاع العالم الاكثر تأثراً بالمرض، ويكون الهدف منها هو تقييم فعالية اللقاح. المرحلة الثالثة تكرار للثانية ولكنها تجرى على عدة آلاف من الاشخاص. خلال هذه المراحل يستمر التناقص في عدد اللقاحات التجريبية على طول الخط. يقول "بروس غيلن" المشرف على برنامج التطعيمات العالمي لصالح "معهد سابين للقاحات": "ما كل الخيول التي تنطلق من بوابة الشروع تنجح في اكمال السباق." 
ثمة اسباب وجيهة لذلك، فاللقاح المرشح قد لا تثبت فعاليته أو انه آمن الاستعمال، أو الاثنان معاً، لذا تعزل اللقاحات الفاشلة. لهذا السبب ينبغي عدم تجاهل التجارب السريرية او استعجالها. التعجيل باستحصال الموافقة لا يكون ممكناً إلا اذا كان المعنيون مطلعين من قبل على اشياء مشابهة، فلقاح الانفلونزا الموسمي مثلاً هو نتاج تركيبة خضعت للصقل طويلاً بحيث لم تعد تتطلب سوى تحديث وحدة واحدة فقط او بضع وحدات كل سنة. مقارنة بذلك يعتبر "سارس- كو في-2" من المسببات المرضية المستحدثة بالنسبة للانسان، كما ان كثيراً من التقنيات الحديثة في تكوين اللقاحات تعتبر جديدة وغير مختبرة نسبياً، فإلى يومنا هذا لم يحز لقاح مصنع من المادة الوراثية على إقرار أو منح موافقة. لذا ينبغي التعامل مع اللقاحات المرشحة ضد "كوفايد-19" على انها لقاحات جديدة تماماً. يقول غيلن: "لا شك ان الضغوط شديدة للتعجيل بالأمر، ولكن من المهم ألا نحاول شق طريق مختصر."
المثال الذي يضرب لهذه الحالة هو اللقاح الذي أنتج في أعوام الستينيات ضد فيروس يسمى "فيروس الجهاز التنفسي المخلوي"، وهو فيروس شائع يسبب اعراضاً تشبه الزكام لدى الاطفال. خلال مرحلة التجارب السريرية وجد أن هذا اللقاح يفاقم الاعراض لدى الرضع، ولوحظ أيضاً تأثير مشابه على الحيوانات التي اعطيت لقاح "سارس" عندما كان في مراحله التجريبية المبكرة. في وقت لاحق عدل اللقاح لمعالجة المشكلة. أما الان، بعد أن غير توجيهه لمجابهة فيروس "سارس- كو في-2" ، فسوف يتحتم اخضاعه لاختبارات سلامة صارمة لاستبعاد أي مجازفة من هذا 
القبيل. 
لهذه الاسباب التي ذكرناها يجب أن يقطع اللقاح المرشح شوطه كاملاً قبل ان يحصل على المصادقة الأصولية، وهذه في الاحوال العادية تستغرق عقداً من الزمن أو اكثر، ولهذا السبب ايضاً احدث الرئيس ترامب حالة فوضى في 2 آذار عندما أخذ يضغط مطالباً بأن يكون اللقاح جاهزاً قبل حلول موعد الانتخابات في شهر تشرين الثاني، لأن هذا الموعد يعتبر مستحيلاً. يقول "أنيليز وايلدر سمث" وهو بروفيسور متخصص بالامراض المعدية حديثة الظهور في كلية لندن للصحة العامة وطب المناطق الاستوائية: "شأني شأن معظم المتخصصين في هذا المجال لا أعتقد أن اللقاح سيكون جاهزاً قبل مرور 18 شهراً. حتى ضمن هذه المدة يبقى لقاحاً سريعاً للغاية، بافتراض عدم حدوث عثرات او عقبات".
وسط هذا كله يجب ألا تفوتنا مشكلة محتملة اخرى. فحالما يقر اللقاح ويحصل على الموافقة سوف يشتد الطلب عليه بكميات هائلة، ولكن كثيراً من المؤسسات التي شاركت في سباق لقاح "كوفايد-19" لا تمتلك السعة الانتاجية المطلوبة. تطوير اللقاح مسألة لا تخلو من مجازفة حين ينظر اليها بالمنظار التجاري لأن قلة فقط من اللقاحات المرشحة هي التي تنجح في إكمال المشوار. مصانع الانتاج تصمم خصيصاً لإنتاج لقاحات معينة، وليس من الحكمة تجارياً رفع طاقتها الانتاجية إلا بعد التأكد من أن لقاحاً ما قد نجح بالفعل. لهذا السبب تشكل تحالف الابتكار والاستعداد للأوبئة، "سيبي" ومنظمات اخرى شبيهة به لكي يتحمل جزءاً من المجازفة، الى جانب منح الشركات حوافز تشجعها على المضي في تطوير اللقاحات التي تشتد الحاجة اليها. يخطط تحالف "سيبي" لاستثمار الاموال في تطوير لقاح "كوفايد-19" جنباً الى جنب مع توسيع القدرة التصنيعية، حيث اطلق في وقت مبكر من الشهر الحالي نداء طلب فيه 2 مليار دولار للتمكن من تنفيذ ما يخطط له.
بمجرد حصول لقاح "كوفايد-19" على الموافقة سوف تبرز سلسلة اخرى من التحديات. يقول "جوناثان كويك" من جامعة ديوك وهو خبير في شؤون الصحة العالمية: "الحصول على لقاح ثبتت فعاليته وأنه مأمون الاستعمال على البشر ليس اكثر من ثلث الطريق نحو تحقيق ما يتطلبه برنامج تطعيم على مستوى عالمي. فعلم بايولوجيا الفيروسات وتكنولوجيا اللقاحات هنا قد يكونان بحد ذاتهما عاملين محددين، ولكن السياسة والاقتصاد يمكن ان يكونا حجر عثرة بوجه التحصين باللقاح".
مكمن المشكلة هو ضمان وصول اللقاح الى كل من يحتاج اليه. هذا التحدي يكون قائماً حتى على مستوى البلد الواحد، وقد اجتهدت بعض البلدان في وضع قواعد ارشادية لمعالجة هذا الجانب. ففي سيناريو جائحة الانفلونزا مثلاً تجعل بريطانيا على رأس اولوياتها تحصين العاملين في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية، بالاضافة الى من يعتبرون أكثر عرضة للخطر من الناحية الصحية، مثل الاطفال والحوامل، ويبقى الهدف الأشمل هو الحفاظ على مستويات الاصابة بالمرض والوفيات بأدنى الحدود. بيد أن الدول تأخذ بالتنافس مع بعضها في طلب الدواء حين تتعرض لجائحة تكتسح العالم.
تكون وطأة الأوبئة الجائحة اشد قسوة على البلدان التي لديها انظمة رعاية صحية هشة ضعيفة التمويل، لذا نرى أن ثمة خللاً راسخاً ما بين الحاجة والمقدرة الشرائية حين يتعلق الأمر باللقاحات. فعندما انتشر وباء انفلونزا الخنازير في العام 2009 وجدنا الدول الأقدر مالياً تختطف ما يتوفر من تجهيزات اللقاح المضاد اختطافاً تاركة البلدان الفقيرة في نقص وحاجة. ولكن من ناحية اخرى دعنا نتخيل الهند مثلاً، التي تعد مجهزاً رئيساً للقاحات الى الدول النامية، وقد اتخذت قراراً لا منطقياً بأن تستخدم ما تنتجه من لقاحات لتحصين شعبها، البالغ 1,3 مليار نسمة، أولاً قبل الالتفات الى تصديره للخارج. في الظروف الطبيعية، حين لا يكون هناك وباء، تجمع منظمة الصحة العالمية حكومات الدول والمؤسسات الخيرية ومنتجي اللقاحات معاً لكي يتفقوا على ستراتيجية توزيع منصفة الى انحاء العالم المختلفة، وقد خرجت بعض المنظمات مثل اتحاد اللقاحات المسمى "غافي" بآلية تمويل مبتكرة من اجل ضمان وصول التجهيزات الى البلدان الأكثر فقراً. بيد أن الاوبئة الجائحة تختلف بعضها عن بعض، والبلدان ليست ملزمة بالانصياع لمقترحات منظمة الصحة العالمية، وهذا يضيف الى الموقف مجاهيل كثيرة. يقول "سيث بركلي"، المدير التنفيذي لاتحاد "غافي": "السؤال هو ماذا سيحدث في الاوضاع عندما تكون هناك حالة طوارئ وطنية واسعة؟"
هذه المسألة تبقى مطروحة للنقاش، ولن نعلم كيف سينجلي الموقف قبل مرور فترة من الزمن. يقول البروفيسور وايلدرسمثان المرجح للأوبئة أن تتمكن من بلوغ نقطة ذروتها ثم تأخذ بالانحدار نزولاً قبل أن تتوفر اللقاحات. رغم هذا يبقى اللقاح قادراً على انقاذ ارواح كثيرة، لاسيما إذا ما تحول الوباء الى مرض داخلي متوطن او حالة موسمية (مثل الانفلونزا). الى ذلك الحين يبقى أملنا معلقاً على احتواء المرض بقدر الامكان، مع ترديد الحكمة الثمينة: "اغسل يديك".
لورا سبني / عن صحيفة الغارديان