أقدم مصلحي الساعات في بغداد.. السمعة الطيبة هي رأسمال الساعاتي أيام زمان

الخميس 02 نيسان 2020 424

أقدم مصلحي الساعات في بغداد.. السمعة الطيبة هي رأسمال الساعاتي أيام زمان
بغداد/ علي ناصر الكناني
 
* وأنا في طريقي لكتابة هذا التحقيق عن الساعات القديمة واقدم مصلحيها فكرت في ان التقي اولاً السيد ناجي جواد الساعاتي الباحث المعروف لتكوين فكرة تاريخية عن اوائل الساعات في العراق ولعل من المفيد هنا ان نذكر انه الف العديد من الكتب من بينها كتاب (قصة الوقت) إضافة الى انه كان قد مارس تصليح الساعات في بداية حياته ولفترة طويلة ولعل مايؤكد اعتزازه بهذه المهنة التي توارثها عن والده، هو اهداؤه في أواخر السبعينيات مجموعة كبيرة من الساعات القديمة بمختلف انواعها يزيد عددها على المئة ساعة الى المتحف البغدادي كدليل محبة ووفاء الى مدينته بغداد .. وخلال لقائنا به طلبنا منه ان يعطينا فكرة عن اوائل الساعات في العراق فقال: 

- أود أنْ أشير الى أن أول ساعة أهديت من العراق الى شارلمان ملك الافرنج في زمن الخليفة هارون الرشيد كانت ساعة مائية على شكل اناء فخاري مخروطي الشكل وقد رقمت من الداخل وهي اشبه (بحب الماء) ويقاس الوقت من خلال ارتفاع الماء الى الاعلى وتحتوي على كرة برونزية اشبه بالطوافة فكلما يرتفع الماء تسقط الكرة البرونزية على صينية كبيرة من النحاس فتحدث صوتاً عالياً ولذلك سميت بالساعة الدقاقة وقد ذكر الدكتور مصطفى جواد بان ساعة مائية مشابهة لساعة هارون الرشيد قد ثبتت في مدخل المدرسة المستنصرية، اما شقيقه الحاج ابراهيم الحاج جواد الساعاتي مواليد 1901 فلقد حدثنا عن بداياته مع هذه المهنة قائلاً: ورثت المهنة من والدي منذ طفولتي في سوق الخفافين وكان يسمى سوق الساعجية وكنت اساعد والدي في تصليح تلك 
الساعات 
 
* وماذا عن أشهر الساعات في ذلك الوقت؟
- هناك العديد من انواع الساعات واشهرها ام الطمغة (سركيسوف) قسطنطينية ام الجيب وساعة اخرى تسمى (قبطان) و(لونجين) ومضى على عملي في مهنتي هذه اكثر من ثمانين عاماً وحتى الان وتوجد ايضاً ساعات اخرى منها ام الانكر و زينيت ويقال ان صناعة الساعات هي اصلاً في العراق ثم انتقلت فيما بعد الى أوروبا.
 
* وكم كانت أجور التصليح آنذاك ومدى دقته؟
- كانت أجور التصليح (بيشلغ) أي درهم ثم صارت الربية فاصبحت اسعار التصليح ربية أي مايعادل 75 فلساً او ربيتين ثم تعلمت تصليح الكراموفون بعد دخول الاسطوانات الى العراق ما جعلني اترك عمل تصليح الساعات وهناك تشابه نسبي في المسننات بين الكراموفون والساعات ومن زبائني من الشخصيات المعروفة الذين كانوا يترددون علينا الفنان الراحل محمد القبانجي ورشيد القندرجي وحسن خيوكة وغيرهم ولم ترجع ساعة قمنا بتصليحها حتى الان واقصد ان اهم شيء عند الساعاتي هو سمعته ومن الذين كانوا مشهورين في هذا المجال عمي لطيف الساعاتي واخي كاظم جواد الساعاتي رحمهما الله وكان عدد الساعاتية قليلاً في بغداد ولعل احسنهم بلا منازع كان الاسطة حسين بن جعفر، وطبعاً كان ذلك ايام العصملي 
 
* ثم سألنا شيخ المصلحين عن مستوى مهارة ودقة التصليح عند ساعاتية هذه الايام فقال:
- رغم أن عملنا الآن محصورٌ بتصليح الساعات الكبيرة فقط بسبب كبر السن وشحة مواد التصليح واذكر مرة انني قمت بتصليح احدى الساعات التي كانت عبارة عن محبس وكانت مكوناتها صغيرة جداً وانجزتها بالشكل الصحيح اما الساعاتية في الوقت الحاضر فهم اقل مهارة واقل صدقاً في القول والعمل ومن الطريف انه كان في السابق ان صاحب الساعة يسأل عن اخلاق الساعجي اولاً ليطمئن على دقة التصليح وكان سعر الساعة بين ليرتين الى 30 ربية (لام الطمغة) ورغم ان نوعية ساعات اليوم هي اضبط من السابق ولكن الساعة القديمة تثيرني دقاتها لانها تذكرني بايام الشباب ومرة قمت بتصليح ساعة الاذاعة عندما اصابها عطل قبل 40 سنة وتم تصليحها باليوم نفسه واود ان اذكر لك ان اقدم ساعة عندي عمرها يتجاوز الـ (150) سنة وان ساعة القشلة هي اقدم ساعة في بغداد وذلك في زمن مدحت باشا،اذ كان الناس يضبطون ساعاتهم عليها او على ساعتي الحضرتين الكاظمية والكيلانية واتذكر مرة انني قمت بتصليح ساعة جدارية تعود الى الملك غازي ورفضت ان اخذ اجراً على عملي. 
 
* ثم انتقلنا بالحديث الى مصلح ساعات قديم اخر هو الحاج فاضل جودي مصطفى من مواليد عام 1923 والذي حدثنا هو الاخر قائلاً:
- زاولت مهنة تصليح الساعات منذ عام 1936 وكنت آنذاك تلميذاً في المرحلة الابتدائية ثم اشتغلت فيما بعد مع شخص يدعى ابو داود وكان هناك شخص اخر يدعى يوسف ابراهيم الذي كان مسؤولاً عن استيراد الساعات الى العراق ثم انتقلت الى بيت عبدو وأعلى أجر تقاضيته ذلك الوقت كان (400)فلس وكان سعر الزمبلك لا يزيد على عشرة فلوس.
 
* وما أطرف ما مرَّ بك خلال عملك في هذه المهنة؟ 
- مرة قمت بتصليح ساعة احد الاشخاص وترك عندي كيساً كان يحمله على انه سيعود بعد قليل ليدفع لي الاجرة فاخذ الساعة ولم يعد وعندما تفحصت الكيس وجدته مليئا ًبالحجارة !! ومرة جلب لي الشاعر المعروف عبد الرحمن البناء ساعته فارتجل بحقي ابياتاً من الشعر قال فيها :
 ساعات اوقاتي غدت مضبوطة
 في ساعاتي ودقائق الساعات
 حتى الثواني قد علت دقاتها 
بندى جميل فاضل الساعاتي 
ويحق لنا الفخر هنا أنْ نذكر أنَّ المرحوم عبد الرزاق محسوب الاعظمي كان من المبدعين الأوائل الذين علينا أنْ نتذكرهم دائماً فهو الذي كان وراء صناعة ساعة الامام الأعظم في زمن الملك فيصل الاول في العشرينيات ومن بين من كانوا يترددون علينا أيام زمان من الشخصيات الأدبيَّة والسياسيَّة المعروفة الملا عبود الكرخي ومعروف الرصافي والقبانجي.