تجلّيات الهامش والمركز في السرد العربي القديم

الأحد 05 نيسان 2020 400

تجلّيات الهامش والمركز في السرد العربي القديم
د. عبّاس آل مسافر  
 

يثير الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه  " ألف ليلة وليلة دراسة سيميائية تفكيكية لحكاية حمال بغداد " نقطةً مهمةً جدًا، وحَرية بالبحث والمناقشة، إذ يقول" وتتجلى الطبقية في ألف ليلة وليلة فاغرة الفم، ولكن غير متجهمة الوجه بحيث لم تكن قط، من الوجهة الفنية على الاقل، حائلاً بين التواصل بين الشخصيات، والتعايش الطبقي، بل والتحارب وتشارب الغرام، فكأين من حمال فقير نادم الأميرات الجميلات واعتصر قدودهن، وقبَّل خدودهن، وبلغ معهن الى أقصى الحدود الممكنة في العلاقات التي تحدث بين رجل وامرأة. 

 وكأين من حطاب كادح، بفضل مصادفة عجيبة تصادفه، حالت حاله في لحظة واحدة فانتقل من حياة الشظف والنكد، إلى حياة القصور بما فيها من بذخ وترف، ورخاء وسخاء. ثم كأين من جارية ذليلة أسيرة أمست زوجة لأمير عظيم، أو ملك كبير".

فعلى الرغم من أن "حكايات ألف ليلة" تبدأ بمقالة  " بلغني أيها الملكُ السعيد أن هناك ..."، إذ إنّها تؤسس لنوع جديد من السرد ونوع آخر من القارئ /المستمع النوعي، وقد رسخ في مخيلاتنا 
لاسيماـ 
في مرحلة الطفولة ـ بأنَّ هذه الحكايات هي (حكايات نُخبة) ، كانت أرضها هي القصور الفخمة المفروشة بالكاشان الفارسيّ، والمزينة الجدران بلوحات لنساء نصف عاريات، وبتماثيل الشمع اليونانيّة، المضيئة بالشمعدانات، وذات الجنائن الناضرة بأنواع الزهور والطيور، وأنّ شخصيّاتها هي الملوك الجالسون على بطائن الفرش من الاستبرق ، يُطاف عليهم الولدان المخلدون الذين كأنهم لؤلؤٌ منثور، تحيط بهم مجموعات من الجواري  وهنّ موزعات بين تقديم الشراب والتغنج بالصوت، هذه هي الصورة المألوفة في ذاكرة الشعب الذي سمع أو قرأ هذه الحكايات بطريقة الحكواتي أو من أفواه الجدات، لكن الحقيقة الغائبة عنا أنها كانت تُخبئ تحت طليسانها الطبقات الأخرى المشاركة في إنتاج الحدث، والتي كانت لها اليد الطولى إلى جانب الطبقات المركزيّة في نسج القصة والتضافر مع العناصر الأخرى بتقديم فن سرديّ ذي مواصفات جديدة، باستطاعته تكثيف المحمولات الرمزيّة لوقائع تاريخيّة وخياليّة، جذبت إليها النفوس والعقول. قد يتبين ذلك جلياً لو تناولنا إحدى حكايات (ألف ليلة وليلة) ولتكن حكاية (حمّال بغداد) أو (الحمّال والأربع بنات).
النص الألف ليلي بنية اجتماعية متكاملة
لقد كان (المبدع الشعبيّ) الذي يقف وراء تأليف حكايات "ألف ليلة" حريصًا على تجسيد طبقات المجتمع الحاضر في تلك الحكايات، وتطعيمها بشخصيات متنوعة من الأبطال، تمثل كل شخصية شريحة معينة من شرائح المجتمع العربيّ في الليالي. 
ومحاولة إبراز صراع تلك الطبقات مع بعضها البعض، وتوصيفه بأنه اختلاف في وجهات النظر والرؤية للحياة، وهو صراع حضاريّ بين المركز/ المهمش . وقد كشف الصراع الطبقي في مجتمع ألف ليلة وليلة عن الأنساق الثقافيّة المضمرة، التي أزاحت الستار عن شخصيّات تعد من الشخصيّات السياسيّة المقدّسة، وقد أنزلتها منزلة العادي.
وحين نفتش فقرات بنية ومستويات هذه الحكاية فإنّنا نجد بأنَّ هناك توظيفًا لبعض (الشخصيّات المركزيّة) والمهمة جدًا في الدولة العباسيّة آنذاك، وعلى رأسها تقف الشخصيّة  المحوريّة، والحاضرة في أكثر حكايات الألف ليلة وهي شخصيّة (هارون الرشيد) أكثر الخلفاء العباسيين شهرةً، ووزيره (جعفر) وسيّافه (مسرور)، وقد ركّز مبدع النص كثيرًا على هذه الشخصيّة، محاولاً النأي بها من المواقف المحرجة؛ ليبقي على المكانة السياسيّة والدينيّة لهذه الشخصيّة الموظّفة داخل القصة الإطار والقصة الثانويّة، ولا يكسر أفق توقع القارئ العربيّ الذي تمثّل هذه الشخصيّة عنده بعدًا عروبيًا متأصلًا داخل نفسه الميالة إلى تقديس رمز السلطة، وقد تكون  الصدفة هي وحدها هي التي قادت (الرشيد) ومرافقيه إلى مكان هذه المجالس ليكتشف العوالم السريّة للشعب، ويطلع بشكل مباشر على أحوالهم وما يدور في الحارات والأزقة. ثُمَّ يتدخل بشكل شخصي لحل المشكلات التي يتعرض لها الناس، وإعطاء كلِّ ذي حقٍ حقه، وإقامة العدل وإحقاقه ولو على أقرب الناس منزلةً عنده، كما حدث مع (الجارية) وابنه (المأمون) في الحكاية المذكورة آنفاً. 
السود ...بوصفهم المهمشين الدائمين
يذكر مؤلف كتاب "الوقوع في دائرة السحر، ألف ليلة وليلة في الأدب الإنكليزي" الدكتور محسن جاسم الموسوي بأنّها " اعتمدت في هيكلها البنائي قصص (الشطار) او rogues : حيث يصبح التفنن في الحيلة الماكرة ضرباً من السلوك الداعي للتفاخر والمباهاة! 
لكن هذه الحكايات لا تخلو من معان سياسية واضحة، شأن ألف ليلة وليلة برمتها، فالصراع واضح بين بعض هؤلاء الشطار كحسن وعلي، وبينهم وبين الحكام المماليك". إذ يمكننا القول بأن (مؤلف الحكايات)  وضع إلى جانب الشخصيّات المركزيّة/ البيض، شخصيّات أخرى/سود، من أجل أن تكون (طبقات مجتمع الحكاية) أكثر توازنًا وتأخذ المدى الطبيعي، وقد تكون طبقة السود هي طبقة مشاركة وفعّالة بالحدث القصصي، وقد يمثّل هذا التوظيف طبيعة الصراع الخفي بين هاتين الطبقتين تمثلاً للواقع المعاش لطبقات الأسياد في العصر العباسيّ الموصوف بعصر الترف والعصور السابقة والتالية له أيضًا وبين طبقة العبيد والجواري وطبقة الشطار والعيارين والمنتحلين والكسبة التي ضجت بها النصوص الألف ليلية.
ويبدو ولا مجال للشك بأن (حكايات شهرزاد لملكها) كانت وما زالت غنيّة بالتجلّيات الطبقية وفيها الكثير من العناصر التي تسمح بدراستها في ضوء الدراسات الثقافيّة التي تمنحها أبعاداً جديدة تسمح بالنظر إليها نظرة مختلفة بدلاً من الاجترار في دراسات تنحصر حول التقنيات السرديّة أو الدراسات الفنية الموضوعيّة للنصوص، إذ نستطيع من خلال تلك الدراسات التفتيش عن أهم العُقد الاجتماعيّة والبنى الثقافيّة المختفية تحت سطح النص، وتفكيك الشبكات البنيوية التي تقف وراء العمل السردي الأضخم. وإذا كان حديثنا اقتصر حول حكاية واحدة فإنَّ هناك الكثير من الحكايات نؤشر عليها سلطة المركز على الهامش، وتجلّيات الطبقة العليا وإشكالية الهوية الثقافية لعدد من الشخصيّات الواردة فيها، ومن هذه الحكايات حكاية "مزين بغداد" وحكاية "الحمار والثور مع صاحب المزرعة" وحكاية"وزير الملك يونان والحكيم روبان" وغيرها من الحكايات 
الأُخر.