نيسان العراق، ذكرى الدولة القاتلة والمقتولة!

الاثنين 06 نيسان 2020 259

نيسان العراق، ذكرى الدولة القاتلة والمقتولة!
ابراهيم العبادي 
 
لا شهر من شهور السنة ألصق بذاكرة العراقيين الجماعيَّة كشهر نيسان، ففي هذا الشهر يستذكر العراقيون صوراً متناقضة لتواريخ زائفة وأخرى راسخة، لكنها تذكرهم دائماً بنتيجة واحدة، إنه الهدم والانهدام الذي ظل يؤرق هذا الشعب ويشعره بالإحباط الدائم والحسرة والحرمان، وربما العجز عن إشادة البنيان الذين يحلمون به، أعني بناء الدولة بعد أنْ تحطمت وتطاير ركامها في كل زوايا العراق، فالذاكرة العراقيَّة تستحضر ذكرى تأسيس حزب البعث الذي انتهت دولته بسقوطٍ مدوٍ في ذكرى تأسيس البعث السادسة والخمسين عام 2003، بعد أنْ قتلتْ الحريَّة وهدمتْ الإنسان والهوية المجتمعيَّة، ولم يبق في الذاكرة العراقيَّة إلا مشاهد الرعب والاستبداد، الذي حفظ صورة الدولة شكلاً وأفرغها من حقيقتها ومضمونها واقعاً لأنها افتقدت المثل الأعلى وسحقت الإنسان وقيمه الحضاريَّة، فسقطت في أول لمسة غازية بتعبير الشهيد الصدر.
بين التاريخين، تاريخ التأسيس وتاريخ السقوط، مرَّتْ سنوات الضياع والفوضى والقتل الجماعي وشبكات المنظمات السريَّة ومؤامرات وصراعات على السلطة حطمت آدميَّة الإنسان وبناءه النفسي والحضاري بفعل الاستبداد والاستعباد، تجلى ذلك في قتل أخيار الناس ومفكريهم ومثقفيهم وتحويل الرعاع الى أسياد، لقد أمسى الزمن البعثي كما كان يدعي متحذلقو البعث، زمن قتل الأمَّة وإبادة رموزها ودعاة نهضتها كما في رمزيَّة قتل المفكر والفقيه وداعية بناء الإنسان والعمران، أعني به الشهيد السيد محمد باقر الصدر يوم 8 نيسان عام 1980. 
أربعون عاماً والعراق ينزفُ نجيعاً قانياً، ولم يستوعب هذا الشعب ونخبه الحقيقيَّة والزائفة، من صور المأساة هذه دروساً بليغة، تلهمه فكراً وإرادة، يستجمعُ بها عقله وقوته ليؤسس دولة للإنسان العراقي، يستريحُ في ظلالها وقوانينها وسيادتها، بما يسمحُ له ببناء ذاته المحطمة ويتصالحُ مع نفسه ومع العالم من حوله، بقي ذلك قيد الطموح والأمل الممزوج بالألم والمعاناة والصراع، فلم ينته العراقيون من اختلافهم المزمن على السلطة، ولم يهتدوا ولم يتعلموا، ولم تجتمع إرادتهم على صورة موحدة للدولة والنظام الذي يحقق لهم السلام والوئام، أحد أسباب ذلك، نرجسيَّة متوهمة تسكنهم، مفادها أنهم شعبٌ عظيمٌ في جغرافيا فريدة، وأنَّ بلادهم التي شهدت ولادة الحضارة على ضفاف الأنهر الخالدة قبل سبعة آلاف سنة، ستعودُ عاصمة للدنيا، ووارثة للحضارة المعاصرة، إنهم محسودون على مستقبلهم!!!؟ ومطمع للدول والامبراطوريات من حولهم، هكذا هو المتخيل الجماعي لقسمٍ كبيرٍ من هذه الأمة، ووفق هذا المتخيل يخوضون اليوم صراع أفكار وشعارات وايديولوجيات وتواريخ، جعلتهم لا يمسكون بشيء، قدر خسارتهم لحاضرهم وإمساكهم بجدلٍ سياسي وديني عقيم، كثير منه أوهام وقليله معلق على شروط واشتراطات لم يرتفعوا لمستواها ولم يحققوا منها حدودها الدنيا.
كان محمد باقر الصدر ينظر قبل ستين عاماً للحرية والنهضة والعودة الى الذات ويبشر بفكرٍ ينتمي الى مدرسة الإسلام ومُثلها العليا وقيمها التوحيديَّة مغايراً مدارس الحضارة المعاصرة، فَتشكلَ مشروعٌ يدعو لنموذج للنهضة والدولة مباينٌ للمشروع الوطني التقليدي ولمشروع اليسار الماركسي والقومي، وتبلور تيار كان يتحدث عن نفسه بلغة الواثق فكرياً وسياسياً وأخلاقياً وايديولوجياً، ولما حانت فرصة التحقق من متانة الأفكار والمشروع بعد ربع قرن من مقتل الصدر المفجع وفي لحظة سقوط دولة المشروع القومي وجدنا الدولة بلا آباء مؤسسين ولا بنائين جديرين معرفياً وسياسياً وأخلاقياً، وما كانوا أحسن من غيرهم في بناء الدولة النموذج من النواحي المعرفيَّة والسلوكيَّة والأخلاقية كما كان يبشر بها ويدعو إليها محمد باقر الصدر، فبقيت أنموذجاً طوباوياً حالماً، من الحق أنْ يقال إنَّ ثمة أسباباً موضوعيَّة داخليَّة وخارجيَّة نعرفُ تفاصيلها وظروفها، منعت أنْ يتمتعَ العراق بدولة حديثة مستقرة، لكن من الحق أنْ يقالَ أيضاً إنَّ هؤلاء الذين يزعمون انتماءً ايديولوجياً ومذهبياً الى مدرسة الصدر افتقدوا الحكمة واللياقة التي تجعلهم في مصاف بناة الدول كما هو ظاهر اليوم، حيث العراق يعيشُ بلا دولة أو قل دولة هشة في احسن التصنيفات.