قمَّة العشرين.. مواجهة الوباء أم تثبيت النظام الاقتصادي؟

الاثنين 06 نيسان 2020 166

قمَّة العشرين.. مواجهة الوباء أم تثبيت النظام الاقتصادي؟
محمد جبير
 
انتهت قبل أيّام قمة العشرين الافتراضية لمواجهة جائحة كورونا، وتوصلت إلى مجموعة توصيات للخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية التي وجد العالم نفسه فيها من دون سابق إنذار، التي هزت اقتصادات الدول الكبرى قبل أن تهتز اقتصادات الدول الفقيرة، أو النامية، لأنها اقتصادات هشة وضعيفة أصلا، ولا تستطيع الوقوف أمام أضعف الهزات.
وإذا كانت قمة السَّبْع لم تتوصل في بداية الأزمة إلى اتّفاق، فإنّ قمة العشرين الافتراضية خرجت بمجموعة قرارات كأنّها خريطة طريق للخروج من هذه الأزمة، لكن السؤال: لمن خريطة الطريق؟ للدول الكبرى من أجل إنقاذ اقتصاداتها؟ أم للدول النامية بغية حمايتها من انهيارات حادّة قد تعصف بكياناتها السياسية.
جاءت هذه القمة، وفق تسريبات إخبارية، على إثر الانخفاض الحادّ في الأسعار في لعبة الصراع بين كبار المنتجين والمصدّرين لهذه المادة، فقد أدّى التنافس الحادّ بين روسيا والسعودية، في الهيمنة على السوق النفطية، إلى هذه الإنهيارات في أسعار البرميل النفطي، في السوق العالمية، الأمر الذي استثمرته أميركا في زيادة مخزونها الاحتياطي، حسب تصريحات الرئيس الأميركي قبل انعقاد القمة، وكذلك الاتّهامات المتبادلة بين أميركا والصين، في تسبّبها بانتشار الوباء، وقدِ انضمّت بعض الدول الأوروبية إلى دعم وجهة نظر ترامب بهذا الاتّهام وضرورة محاكمة النظام الصيني في إخفائه المعلومات عن الوباء الذي ظهر في "ووهان" وتمّت السيطرة الصينية بعد انتشاره في أوروبا والعالم. في المقابل تتهم الصين أميركا في نشر الوباء في البلاد.
بعيداً عن كلّ ما تقدم، فإنّ خريطة الطريق الاقتصادية للقمّة تضمّنت عدة خطوات إجرائية لتفادي الأزمة الوبائية، منها:
أولا: تشكيل جبهة موحّدة.
ثانيا: الالتزام باستعادة الثقة والمحافظة على الاستقرار العالمي.
ثالثا: تبادل المعلومات الصحّيّة وتعزيز النظام الصحّي.
رابعا: التصدّي للآثار الاقتصادية للجائحة.
خامسا: دعم الدول النامية.
سادسا: الشفافية والردّ المشترك.
سابعا: توسيع صلاحيات منظمة الصحّة العالميّة.
ثامنا: استمرار انسيابية السّلع.
تاسعا: دعم البحوث العلميّة لاكتشاف عقار مضادّ للفيروس.
هذه أبرز الخطوات التي ترى القمة ضرورة اتخاذها في مواجهة الأزمة على كافة الأصعدة، وإذا ما أردنا أنْ نحدّد محاورَ تلك الخطوات، فإنّها تسير في ثلاثة مسارات، اقتصادية وصحية وإنسانية، ويلعب المسار الاقتصادي دوراً مهما بوصفه عصبَ الحياة في النظام الرأسمالي الذي تسعى قمة العشرين للحفاظ على هيبته وعدم انهياره جرّاء الأزمة الحالية، وهو المحور المركزي الذي ارتكزت عليه القمة وطلبت تشكيل جبهة موحدة، والسؤال، هنا، هو: هل يتمّ تشكيل هذه الجبهة خارج المجموعة الحالية؟
 
المسار الاقتصادي
يرى المراقب لتطوّرات الأزمة الحالية بوضوح ظهور الاختلافات والصراع بين القوى الكبرى على تنازعات اقتصادية وسياسية، وهذه الدول هي من الدول الفاعلة في مجموعة العشرين، وهذه الدول هي أميركا، الصين، روسيا والسعودية، فقد ظهر التنافس والاختلاف في ما بينهم على إغراق السوق النفطية بالمنتج النفطي، وكذلك الاتّهامات بشأن انتشار الوباء. لكنّ ما حدث على مستوى المواجهة الدولية للوباء أبقى بعض الدول الكبرى على السياق الاقتصادي العام حتى أثناء انتشار الوباء في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، إذ لم تتّخذ تلك الدول الإجراءات الاحترازية للوقاية من الوباء، أو إنّها لم تعِرْ الأمرَ أهميةً في بادئ الأمر، وإنّما أبقت على عجلة الاقتصاد مستمرة من دون مراعاة العوامل الإنسانية، إذ إنّ العجلة الرأسمالية لا تضع الإنسان ضمن أولويات اهتمامها، بينما ذهبت الصين، بوصفها من "النمور الصاعدة" وذات القاعدة الاشتراكية العريضة والعريقة، إلى التعامل مع هذا الوباء بجدّية عالية، واتّخذت الخطوات الإجرائية للوقاية من الوباء وحصر البؤر الوبائية، مع عمل مختبريّ لاكتشاف لقاحات لمعالجته، فقد انتقل الصراع الفكري "الرأسمالي – الاشتراكي" إلى صراع وبائي لتحطيم اقتصاديات تلك الدول، إلّا أنّ الإنهيار، أو المحافظة على تلك الاقتصادات، صار ذاتياً، حتى أنّ الوفرة المالية مقابل الحاجة الوجودية تلاشت أهميتها وصارت الشعوب المختنقة رأسماليا تبحث عن نسمة هواء نقي في أجواء ملوثة ببكتريا الصناعات المختلفة والفلسفات المتقاطعة.
تقاطعت وتضاربت المصالح بين الدول الكبرى، واختنقت الأسواق بالسلع والبضائع لتوقف الشركات العابرة للقارات وتشديد الإجراءات الكمركية وضوابط التصدير والتعريفة المقابلة، ممّا دفع إلى تعثر، أو توقّف، تلك الاقتصادات التي كانت تعيش تكاملها الاقتصادي عبر تزاوج الشعوب في ما بينها ضمن مواقع الإنتاج والآلة والمصالح والأفكار المشتركة، وجرّاء هذا التزاوج، أو الاندماج، في الصناعات الكبرى، انخفضت الكلفة الإنتاجية وصارت دائرة التسويق أوسع والربحية أعلى، إلّا أنّ هذا الربيع الرأسمالي الذي أراد أن يسحق ربيع الاقتصادات النامية، أو الصاعدة، لم يستمر طويلا لتنمّر الأوّل وتعكّزه على القوة العسكرية المهيمنة والفاعلة بعيدا عن احترام القيمة الإنسانية للشعوب، وهو الأمر الذي يحتّم المواجهة بين المُهيمِن والصاعد نحو تحقيق الذات.
أدركت الدول الرأسمالية، بعد مرور شهر واحد فقط على انتشار الوباء، ضرورة مراجعة الأهداف والأولويات الاستراتيجية، ووضع أولويات جديدة تحافظ على هيبة هذا النظام قبل الإنهيار أمام تحديات الدول الصاعدة مثل "الصين واليابان وكوريا وماليزيا" التي من الممكن أن يكون لها دورٌ مميزٌ بعد تجاوز الأزمة؛ إذ ما يُسجَّل من وفيات في العالم، حتى هذه اللحظة، لم يتجاوز الخمسين ألفاً على الرغم من تجاوز الإصابات حاجز المليون نسمة، نصفها في أوروبا، في حين أنّ إحصائيات ضحايا الألغام في العالم تجاوزت المليون نسمة.
فقد مرّ العالم بالكساد الاقتصادي وخرج منها متعافياً، إلّا أنّ ما يحدث الآن هو الوباء الفاعل أو المغيّر لاقتصادات العالم، إذ وقف النشاط الاقتصادي والتجاري والاجتماعي، وتسبّب في انهيار السوق النفطية الذي دقّ ناقوس الخطر في وجه سياسات الدول الاقتصادية الأحادية الجانب، إذ فكّرت دولُ العشرين بحماية نظامها الاقتصادي من خلال إجراءات وتدابير عاجلة في تسوية الخلافات في ما بينها من أجل ترصين الجبهة الاقتصادية وإعادة الثقة بهذا النظام العالمي، وضمان انسيابية البضائع والسلع وتدفّقها عبر الحدود، وهو ما يدفعهم للتصدي لآثار الجائحة بكل قوة، حتى لو تتطلب مراجعة الأولويات، أو التضحية بفئات اجتماعية، كبار السن مثلا، ترى فيهم تلك الدول عدم جدواهم في استمرارية أو ديمومة النظام الاقتصادي.
هذه النظرة الرأسمالية لا تجد لها مثيلا في العالم الاشتراكي، أو البلدان الأخرى التي ترفض لا إنسانية هذا النظام، إذِ اتّخذت تدابيرها للحفاظ على الإنسان بوصفه أولويّة قصوى في الوجود العام، فاتّخذت الإجراءات الاستباقية لمواجهة الفيروس قبل أن يظهر، أو يأخذ في الانتشار، لذلك صار الحدّ منه أمراً ممكنا، وأصبح تحت السيطرة على الرغم من قلّة الإمكانات المادية والصحّيّة في تلك الدول إذا ما قورنت بالدول المتقدمة.
الاختلاف في الفلسفة الاقتصادية تطلّب تغيّر النظرة وتعديل المسارات حتى تتلاءم مع الظروف الطارئة، وهو الأمر الذي يتطلّب من الدول النامية وذات الاقتصاد الريعي، التي تعتمد على تصدير النفط، أن تراجع هذه السياسات وتنتج سياسات جديدة لخلق اقتصاد متنوع يستطيع الثبات أمام الأزمات، إذ إنّ أزمة انهيار الأسعار النفطية الآن هي أزمة مضاربات سوق سوف تزول وتعود إلى سابق وضعها بعد الاتفاق بين المضاربين بالأسعار.