الأزمات الكبرى والتكافل الاجتماعي

الثلاثاء 07 نيسان 2020 501

الأزمات الكبرى والتكافل الاجتماعي
نصير فليح
 
في ظروف الأزمات، كالتي نعيشها في وقتنا الحالي، تتغير إيقاعات الحياة والكثيرمن التفاصيل فيها، يعود الناس إلى الأرض الأولى التي نشؤوا عليها، بمعنى أنهم يعودون إلى التفكر، بشكل أو آخر، بأسس الحياة التي كانوا يعيشونها كلّ يوم دونما تمعّن كبير عادة بأسئلة الحياة والموت. 
للمصائب نكباتها، فقدان الأحبة، معاناة المرضى، القلق والخوف، ولكن هناك بعض الجوانب تبدو كأنّها تفيد ولو قليلا في لجم دوافع الإنسان الأنانية المألوفة، فتظهر بعض الحالات من قبيل التكافل الاجتماعي، نبذ بعض الخلافات أو الصراعات جانبا، العمل على شيء نافع يخص كل إنسان بغض النظر عن عقيدته وحضارته وثقافته وعمره.
هذه الدروس لها فائدتها أيضا، وما نلاحظه من بعض جوانب التكافل الاجتماعي بين الناس والدول، بما في ذلك في مجتمعنا الذي نعيش فيه، تبعث شيئا من أمل في أن يغيّر هذا من النفوس باتجاه مزيد من الخير والإنسانية والتفهّم. ولكن علينا ألّا ننسى وجهاً آخرَ مهماً من وجوه الأزمات الكبرى عبر التاريخ، وهو أنّ الدروس التي تستقى منها كثيرا ما تكون مؤقتة، لا يلبث بعدها البشر من العودة إلى ديدنهم الذي ساروا فيه عبر التاريخ. كما أنّ بعضهم لا يتحوّل في زمن الأزمات باتجاه مزيد من القيم الإنسانية، بالعكس، قد يتحول إلى مستغل للأزمات بشكل أو آخر، على صيغة احتكار المواد الضرورية للناس، والمضاربة بأسعارها، وما شابه. وحتى بين الدول، نرى في الوقت الذي بادرت فيه بعض الدول إلى نبذ بعض خلافاتها جانبا، مؤقتا على الأقل، فإنّ بعضها حاول، بشكل أو آخر، أن يستفيد من الأزمة اقتصاديا، وبنزوع ضيق الأفق شديد 
الأنانية.
مظاهر جميلة بتنا نراها أحيانا في المجتمع، أو على شاشات التلفزيون أو التواصل الاجتماعي، من مبادرة بعضهم إلى تأمين الاحتياجات الأساسية للمعوزين مجانا. إنّ لحظات كهذه، على رغم بساطتها الظاهرية، قد يكون لها معنى مهم في نفس الإنسان، فالمبادر إلى ذلك لا بدّ أن يكون قد توقف ليفكر في أنّ ما اعتاد عليه من السعي للربح الأقصى، ليس هو كل شيء في هذا العالم. وهذه بحدّ ذاتها إضاءة ولو مؤقتة قد تفتح مزيدا من النور في النفس.
بعض الممارسات التي تتولد في فترات الأزمات الكبرى من هذا النوع، تتحول بمرور الزمن، لا سيّما في الدول المستقرة التي لديها رصيد كاف من الاستقرار والتراكم والتماسك الاجتماعي والسياسي، إلى أعراف وتقاليد جديدة، تنخرط في نسيج عاداتها الإنسانية. ولكن يصعب تصور هذا، مع الأسف، في الدول التي تعيش نزاعات عنيفة، والتي تضرب فيها الفوضى أطنابها، ذلك أنّ الأرضية نفسها التي تعيش عليها هذه الدول، هي أرضية غير مستقرة، لا تسمح بتراكم قيم ومعايير وممارسات بشكل يجعل من استمراريتها أمراً 
ممكناً.
وهنا نقف أيضا مع المشكلة الكبرى التي تعاني منها بلادنا، وهي مشكلة الفساد والتدهور الخدمي والمعيشي، فهل يمكن، بعد انقضاء هذه الظروف الاستثنائية، أن تعود الأمور ثانية إلى ذلك التشبث الضيق بالمصالح حتى ولو على حساب كل المجتمع ومعاناته؟ هذا ممكن بالطبع، بل لعله أكثر احتمالا. ولكن ممّا يبعث شيئا من التفاؤل، ولو قليلا، أنّ مخاضات التغيير السياسي والاجتماعي في البلاد قد بدأت أصلا منذ مدة، وزعزت الكثير من منطق الطبقة السياسية، وأوصلت رسالة إليها بأنّ الوضع لا يمكن أن يظلّ على هذه الحال، وكل هذا يجعل من الزمن الذي سوف يأتي، أي زمن ما بعد كورونا، مرحلة تتطلب حدوث تغييرات في العمق، بعد كل المعاناة الإضافية التي أضافها الوباء إلى المعاناة المعيشية والاقتصادية التي أثقلت كاهل الناس 
طويلا.