ثقافة نبذ التطرف.. فيلم (الضيف) أنموذجاً

الثلاثاء 07 نيسان 2020 215

ثقافة نبذ التطرف.. فيلم (الضيف) أنموذجاً
نهار حسب الله 
يُعدُّ التطرف من أهم القضايا الأساسيَّة التي تشغل المجتمعات المعاصرة.. بوصفه ثقافة سلبية تعبوية، وفكراً ظلامياً قائماً على إقصاء الآخر.. أي آخر مختلف بالفكر والوعي والتعبير..
وتعمل الفنون بتعدد مجالاتها جاهدة لخلق ثقافة تنويريَّة تخالف تلك الثقافة الظلامية، وتطمح لخلق مساحة تسهم بنبذ ذلك الخطاب الرافض للاختلاف.. 
من هنا.. ومن هذه الرسالة الإنسانيَّة السامية انطلق فيلم (الضيف) وهو فيلم درامي مصري من إنتاج سنة 2019. من إخراج هادي الباجوري، وتأليف إبراهيم عيسى، بطولة خالد الصاوي، وأحمد مالك، وشيرين رضا، وجميلة عوض. 
تتمحور أحداث الفيلم حول إطار درامي، يحكي قصة أسرة تنويرية من أبٍ مسلم متحرر وأم مسيحية وابنتهما الطالبة الجامعية.. أسرة الدكتور يحيى حسين التيجاني وهو مؤلف وباحث ومفكر يدعو في كتاباته وأبحاثه الى تحليل الخطاب الديني على نحو يمتاز بالسلاسة والموضوعيَّة.. بينما يرمي سهام نقده اللاذع للثوابت الاجتماعية الزائفة المتوارثة من صُناع الفكر السلفي المتطرف.. ما يجعله عرضة لتهديدات بالتصفية بسبب آرائه الجريئة.. 
يحل على الأسرة ضيف شاب متطرف بدعوى من زميلته الشابة التي تنجذب إليه وتحاول إقناع أسرتها به، إلا أنّ الضيف يخطط ويدرس إمكانية اغتيال الدكتور يحيى التيجاني...
اعتمد المؤلف في كتابة العمل على دراسة وجهات النظر المتناقضة على نحو موضوعي حيادي من خلال الوقوف عند مصادر معتمدة.. ليكتب صوراً ومشاهد مكثفة منطلقاً من حدث فرعي هامشي (زيارة الضيف لبيت حبيبته) ثم ينتقل بنا الى جملة أحداث يشاكس فيها وعلى نحو جزئي العقل الجمعي ويخالفه. 
اعتمد الفيلم في أغلب مشاهده على حوار مثير بين الفكر الليبرالي والفكر المتشدد، وأغلب الحوارات كانت بين الفنان خالد الصاوي الذي أجاد واحترف تمثيل دوره بإتقان عالٍ وربما يُعد دوره في هذا الفيلم واحداً من أهم الادوار التي مثلها في السينما المصرية.. والفنان أحمد مالك، وهي حوارات مشدودة، عميقة، مؤثرة تعتمد النمط الإيقاعي المشدود الذي يجذب المتلقي بوصفه يحمل الحجة والدليل.. فقد تمكن المؤلف من منح شخصيات عمله أصواتها الخاصة وانفعالاتها الانسانية وهو الأمر الذي أسهم في تعدد الأصوات داخل النص ليكون بيئة اجتماعية غير مصطنعة..
وقد وظف المؤلف أدواته الإبداعية كلها ليضع امام المشاهد مجموعة رسائل مهمة من دون تشتيت الفكرة الأساسية، ومن بين تلك الرسائل امكانية التعايش بين الاديان على نحو عام وآلية التعايش بين المسلمين والاقباط في مصر على نحو خاص..
يسلط الفيلم الضوء على قضية الحجاب، وحقيقة وجوبه وحرية المرأة في ارتدائه، فضلاً عن قدرة الوعي على استيعاب وتقبل الاختلاف والتعامل معه بوصفه وجهة نظر تخالف قناعة الآخر ولكنها لا تعتمد إقصاء.
ونقتبس هنا حواراً موجزاً من المشاهد الاخيرة:
المتطرف وهو يوجه سلاحه بوجه الدكتور: أجمع العلماء على كفرك، لأنك تنكر أنَّ الاسلام دين ودولة، وتطعن في الخلافة..
الدكتور من خلف مكتبه والسلاح مصوب باتجاهه: الإسلام دين، وليس دولة وهذا رأيي وان لم يعجبكم ردوا عليه.. لا تكفرونني... انا اكتب بقلم.. ترد عليّ بمسدس؟! ارحموا الاسلام من تشويهكم.. 
فيلم (الضيف) واحدٌ من الأفلام العربية المهمة التي تستحق المشاهدة والانتباه، ربما لأنه صُنع على نحو احترافي متقن ومتكامل، كما أنه يتناول قضية مفصليَّة مهمة لكل إنسان.