ولادة عبقريَّة ونبوءة مفكر بسقوط دولة الزنزانات

الأربعاء 08 نيسان 2020 152

ولادة عبقريَّة ونبوءة مفكر بسقوط دولة الزنزانات
حسين الذكر

مساوئ العهود المتعاقبة وتبعات قرون الثالوث العثماني، كانت لاتزال تخيم على سماء ارض الرافدين ، فضلاً عن سوداوية الجهل السائد وتبعية الفكر الالحادي الرخيص والمستورد وتأسيس تيارات التفرقة والتعصب والتحزب التي احاطت بضلوع قلب الوطن واستترت بدهاليز الادلجة، تخطط  للبقاء وتؤسس لجثم عهد اسود على صدر امة بيضاء .
هكذا بدا المشهد المقتر للجسد العراقي العام وهو محاصر بمديات اخطر واوسع تتمترس خلف عناوين كتبت خارج الحدود لتمتد الى اعالي اشجار العراق لتسرق ثمار الشعب المسروق، فلم تضيق او تبعد مساحة القراءة ولا مناهج التحليل بحاجة الى دافع على واقع دافع بكل معانيه وصوره .
في منتصف العقد الرابع من القرن الماضي، شدت عمامة سوداء رحالها من ارض الكاظمين المقدسة هائمة بعشق الاسلام تحوم نحو قباب الغري، يحدوها امل باضاءة مراكب تائهة واسيرة في لجة بحر هائج تموج به اعتى امواج قيود ومخالب المستعمرين التي لم تثن احلامه ولن تميت آماله بالتطلع من ثنايا ذلك الليل الحالك  وما ان حط  باثقاله حتى اوقد شمعة صدرية في اول النفق لا في اخره ، لتلتف حولها الحلقات المباركة وينتظم في ركابها الثقاة، متعاهدين على جلي القهر وتبديد ليل الفقر والجهل ومتعاهدين على ضرورة اعادة صياغة تاريخ امة كتب بغير ما اراد الله
لها. 
تلاقفته العقول النيرة وهامت به الضمائر الحية وان تعددت جوانحها وأخذت تهفو  نحو حوزته جموع العطاشى ليوم كتب الله له ان يعبد بالدم الطاهر .
في بداية الحراك الإسلامي لجلاء الظلام الحالك بالامة وفيما كانت الحلقات تعقد بالسر هنا وهناك بحثاً عن مخرج مما آل اليه الوضع العام والخاص وفيما كان بعض الحركيين الإسلاميين ممن تحلوا بثورية الطرح قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر في جلسة ظلت تدوي كلماته فيها مدى التاريخ وما زال يتناقلها الاخيار جيلاً بعد جيل، فقد ذكر متحدثاً عن ما سماه بحب الدنيا امام طلبة العلوم الدينية وبقية مريديه ومحبيه والسائرين على خطاه .. قائلاً "هل طرحت علينا دنيا هارون حتى لم نصنع ما صنعه هارون مع الامام موسى الكاظم (ع) ؟"..
في تلك الأيام العصيبة وفي بداية الانطلاقات حذر السيد الشهيد اتباع خطه من ركب موجة حب الدنيا والاكتفاء بالشعارات دون سلوك وفعل  إسلامي خير يدل على قيمة فاعليه، كان وكأنه يتنبأ لما سيؤول اليه الوضع يوماً ما .. تحت حكم ممن نزوا على منبرية السيد الامام ورفعوا صوره وشعاراته دون ان يحققوا للامة شيئاً من أهدافه العظيمة، لا سيما في رقي الفكر وبناء الانسان ونبذ الطائفية وتحرر العقول وتحقيق العدالة الاجتماعية بابهى صورها وكما أراد الله لها .. فقد اثبتت الأيام الخوالي والسنون العجاف التي كان الشعب العراقي ينتظر فيها تحقيق بعض اهداف قيادته ومعارضيه وشهدائه الذين نذروا انفسهم من اجل خدمة الشعب، كل الشعب دون تمييز .. واذا بهم يعيشون  مرحلة من الفساد المعيب المخجل الذي افرغ الحياة من مضمونها واهجر العباد وإشاع سنة الفساد حتى اصبح الوطن مباحاً، فيما حار الناس بين عهد الدكتاتورية ومحن الديمقراطية التي كانوا ينتظرون منها شيئاً جديداً لا سيما من أولئك الذين رفعوا صور وشعارات وعناوين الامام الصدر قدس سره ليحققوا اهدافاً مصلحية شخصية ضيقة على حساب المصالح العامة التي ظلت على ما كانت عليه أيام الكبت وربما اسوأ من ذلك في بعض ملفاتها .
 
يوم الشهادة
في يوم من أيام ظلامة العراق المرير اطفئت المصابيح عشية ليلة الثامن من نيسان /1980 الاسود على غير عادتها ، لتهمس ( حياطين ) بيوتات النجف الاشرف في اذان العالم المتحرر ( لقد امتدت يد الطغاة  لتغتال البدر ). وعاد المشهد من جديد.. دماء .. وبكاء .. وصمت رهيب ، ينبئ بطلائع مواكب لها بداية من وقع جلجلة صمودها، تهز العروش وان مكثت ، حتى صعب لها تحديد ملامح النهاية ، لم يكن ذلك فعل جديد فقد امتدت يد الطغاة من قبل على صدر امام رضع النبوة من ينابيعها الاصيلة، كما فجع شهر الصيام بتخضيب شيبة امير الاسلام 
والسلام .
وامتدت بعدها الرقاب تفيض بآه الوطن، تبحث عن قلب نابض لم يسلبه القتل دفقاته ولم يسكت الغدر ترنيم  تسبيحاته، وتناثرت بعده الاشلاء على طول ضفاف النهرين وفي زنزانات ، ربما لم يشهد مثيلاً لها القمع القديم والحاضر، وشرع تاريخ الصمود يدون قصصاً يندى لها الجبين وينوء من وجع مدادها القلم ، وهاجرت الطيور مخلفة وراءها ايكة فجر العراق الجديد لتحط على اي موضع يؤمن لها العودة لتغرد اناشيد الحرية وقبل ذلك الايفاء بالعهود والمضي في دروب اراد لها الامام باقر القرن العشرين ان تكون مغايرة عما حدثتنا عنه قرون القهر والظلام وذلك للأسف ما لم نره بعد سبعة عشر عاماً من اسدال الستار على عهد الشمول وبداية عهد عراقي جديد سمي بالديمقراطي ولم نر منه حتى الان غير الفوضى والاجندات 
والفساد .
انها ارادة الله وسنته التي ليس لها تبديل ، وها هو يوم الوعد الصادق وبتاريخ يحسبونه مصادفة وكان يرتديه السيد يقيناً ، ففي التاسع من نيسان /2003 وبعد ثلاثة وعشرين عاماً من محنة يصعب احتواؤها بالاحرف الاربعة ، سقط سيف الجلاد وانبعث عصر الامام من جديد لتمتد عمامة صدرية سوداء ترتل من على كل المنابر الحرة وفي وضح نهار كشف عتمة ايامه السوداء: (مهما  تفرعن الطغاة لابد للجماهير ان
تنتصر).