من قتل القطط إلى قداديس رقميَّة.. هكذا واجهت الكنيسة الأوبئة على مر القرون

السبت 11 نيسان 2020 357

من قتل القطط إلى قداديس رقميَّة.. هكذا واجهت الكنيسة الأوبئة على مر القرون
روما / أف  ب
 
تحتفل الكنيسة الكاثوليكية هذا العام بعيد الفصح بطريقة غير تقليدية بقداديس من دون مؤمنين تبث عبر الانترنت، لكنَّ تقاليدها الغابرة من قتل القطط إلى جلد الذات، شكلت سبباً رئيساً في تفشي الأوبئة قبل قرون خلت. 
البابا وحيداً
وخلال هذا الأسبوع الذي يرتدي أهمية كبرى في السنة الطقسية المسيحية، أحيا البابا فرنسيس قداس خميس الغسل وحيداً من دون مؤمنين. وهذا ما سيفعله بالنسبة لقداس عيد الفصح الذي يترأسه اليوم الأحد في كاتدرائية القديس بطرس المغلقة أمام الزوار. 
غابراً وقبل أن يتطور الطب ليصل إلى ما هو عليه اليوم، كان ينظر إلى الأوبئة على أنها «انتقام إلهي»، وفق ما يذكر المؤرخ المختص بالكاثوليكية كريستوف ديكيه لوكالة فرانس برس. 

ويلفت الخبير إلى أنه «حتى في حقبة تفشي الانفلونزا الإسبانية (1918-1919)، كان هناك شعور بأن المرض جاء عقاباً على الخطايا منتشراً في الأرياف». 
في القرن التاسع عشر، عارض البابا ليون الثاني عشر (1823-1829)، الذي كان خلف إعادة العمل بمحاكم التفتيش الخاصة بمعاقبة الهراطقة وأنشأ معازل اليهود في إيطاليا، التلقيح ضد مرض الجدري على أساس أن في ذلك خلفية شيطانية. 
مع انتشار الإيدز في ثمانينات القرن الماضي، تبين أن موقف الكنيسة تركز في المقابل «بوضوح على معاناة المرضى، رغم بعض التصريحات المعزولة لرجال دين حول الأصل الإلهي للمرض»، بحسب ديكيه.  
 
مستشفى ميداني
اليوم، تحولت كاتدرائية ضخمة وسط نيويورك إلى مستشفى ميداني لمعالجة مرضى (كوفيد - 19)، صورة لا يفترض أن تثير استياء البابا الأرجنتيني الذي دعا بنفسه رجال الدين إلى التحلي «بالشجاعة والخروج لرؤية» مرضى فيروس كورونا المستجد. وتدير الكنيسة العديد من المؤسسات الطبية في العالم. 
ويملك البابا فرنسيس حساسية خاصة إزاء التدين الشعبي. فقد زار سيراً على الأقدام كنيسة القديس مارسيلو آل كورسو وسط روما الخاضعة للحجر الصحي. وتوجه للصلاة أمام تمثال «المسيح العجائبي» المصنوع من الخشب الملون والذي نجا من حريق وحمل عام 1522على رأس موكب جال شوارع روما لمدة 18 يوماً كمحاولة لدحر تفشي وباء الطاعون المميت.
 
موت بابوين
في حقبة الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، أسهمت المواكب الدينية بأقدام حافية والقداديس في تفشي الوباء المميت الذي قتل بين ثلث ونصف الأوروبيين منذ 1348. 
في تلك المرحلة، كان متشددون دينياً يجلدون أنفسهم في الشوارع العامة خلال المواكب الدينية للتوبة عن خطاياهم، لكن ممارستهم تلك كانت تزيد من مخاطر نشر الوباء من دون أن يعلموا.
كان ذاك التشدد الديني خلف مذابح ضد اليهود الذين اتهموا بتسميم الآبار لنشر المرض، ما دفع البابا كليمنتوس السادس إلى إصدار مرسومين بابويين لحمايتهم. 
ويؤكد مؤرخون أنَّ ممارسة ذبح القطط على خلفية خرافة تقول إن القطط تجسيد للشيطان، وخصوصاً السوداء منها بحسب أحد بابوات القرن الثالث عشر، أجج انتشار أوبئة الطاعون التي مصدرها براغيث الجرذان. وفي الواقع، كانت القطط الموجودة بكثافة أكثر في الأرياف تساعد على إبعاد هذه القوارض عن السكان.
 
البابوات بمنأى عن الأوبئة
وعلى مر القرون، بقي بابوات الكنيسة بمنأى عن الأوبئة، باستثناء البابا بينديكتوس الخامس عشر (1914 - 1922) الذي توفي بسبب الانفلونزا الإسبانية. وقبله بقرون، قضى البابا بيلاجيوس الثاني (579 - 590) بوباء الطاعون الذي اجتاح في تلك الحقبة حوض المتوسط. 
كان خلفه البابا غريغوريوس العظيم الراهب العالم (590 - 604)، أكثر حظاً، رغم أن طريقته في دحر الأوبئة لا تتماشى مع العصر الحديث. 
ووفق أسطورة تم تناقلها لقرون بعد وفاته، قاد البابا غريغوريوس الأول موكباً كبيراً لتطهير الهواء من الطاعون حاملاً أيقونة للعذراء مريم يقال إنها من رسم أحد رسل المسيح. 
ومع عبور المسيرة أمام ضريح الامبراطور الروماني هادريان الأثري على ضفاف نهر التيبر (يعرف اليوم باسم قلعة سانت أنجلو)، ظهر له رئيس الملاك ميخائيل يضع سيفه في غمده ما اعتبر إشارة إلى أن الوباء أشرف على الاندثار. 
 
كنيسة القيامة
وللمرة الأولى منذ نحو مئة عام، لن تستقبل كنيسة القيامة التي اغلقت أبوابها بسبب فيروس كورونا المستجد، الحجاج المسيحيين المحتفلين بعيد الفصح في الأراضي المقدسة حيث تحاول الأسر التعايش مع الأمر والاحتفال في منازلها وفق الإمكانيات.  وتحتفل الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي من الكاثوليك والبروتستانت بعيد الفصح أو عيد القيامة اليوم الأحد، بينما يحتفل المسيحيون الأرثوذكس بالعيد في 19 من الشهر الحالي. 
وأغلقت السلطات الأماكن الدينية أمام الزوار، ومن بينها كنيسة القيامة التي يعتقد المسيحيون أن يسوع المسيح دفن فيها بعد أن صلبه الرومان في العام 30 أو 33 ميلادية، وهم يتوافدون عليها بعشرات الآلاف خلال العيد. ويؤكد المؤرخ الفلسطيني جوني منصور، أن هذه هي المرة الأولى التي تغلق فيها كنيسة القيامة خلال عيد الفصح في السنوات المئة الأخيرة. 
وكانت الكنيسة أغلقت أبوابها في العام 2018 لعدة أيام احتجاجا على الضرائب التي تفرضها السلطات الإسرائيلية. 
وفي يوم الجمعة العظيمة، مشى أربعة أشخاص فقط على خطى المسيح في درب الآلام، وعلت أصواتهم بالتراتيل الدينية. 
هذا العام، يحضر ستة من رجال الدين فقط  القداس الذي سيترأسه المدبر الرسولي لبطريركية القدس للاتين المطران بييرباتيستا بيتسابالا، داخل الكنيسة، مقابل نحو 1500 شخص حضروه العام الماضي، كما صرح أمين سر البطريركية الأب إبراهيم شوملي لوكالة فرانس برس. 
وستبث الكنيسة القداس لرعاياها عبر شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي، كما فعلت الأحد الماضي خلال قداس أحد الشعانين الذي بث باللغة العربية وحضره أكثر من 60 ألف شخص حول العالم معظمهم من منطقة الشرق الأوسط، تبعا لشوملي.
يقول شوملي «حاولنا التكيف مع الوضع وتنظيم احتفالات مركزية نبثها عبر الشاشات ونخلق جواً إيجابياً داخل المنازل». ويضيف «بالرغم من كل الطاقة السلبية التي حولنا، لا بد وأن نلتمس شيئاً من الإيجابية».
وفي حارة النصارى في البلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة، التي هجرت شوارعها وأزقتها وأغلقت جميع المرافق الحيوية فيها منذ أسابيع، تزين السيدة الفلسطينية سوسن بيطار زوايا منزلها للعيد.  ووصفت سوسن التي تحدثت لفرانس برس عبر تطبيق زوم، مشاعر الحزن التي تمتلكها لعدم تمكنها من الاحتفال بالعيد مثل كل عام. وقالت إن «الأجواء غريبة وتبعث على الاكتئاب». 
 
قلب منفطر
جلست سوسن وحفيدتاها نايا وتاليا داخل المطبخ لتلوين بيض عيد الفصح الذي تقول أنه يرمز إلى الحياة الجديدة. 
وحضرت الجدة عشر بيضات مسلوقة وماء وأصباغاً بالألوان الأزرق والبرتقالي  البنفسجي والأحمر. صبغت الطفلتان الصغيرتان البيض ووضعتاه على طبق بشكل أرنب.
وتقول حفيدتها نايا (3 سنوات) التي افتقدت فرق الكشافة التي تجوب عادة الأزقة خلال أحد الشعانين وهي تقرع الطبول وتعزف الألحان «أحب صبغ البيض بسبب الأرانب والألوان».  
أما سوسن التي حرصت على إضفاء أجواء البهجة على منزلها وعائلتها فتؤمن بأن «كل شيء يحدث لسبب». 
احتفلت سوسن وابنتها وعائلتا ابنيها بأحد الشعانين في حديقة منزلها المكون من طابقين، وشاركت فرانس برس صور العائلة وقد جهزت استوديو تصوير صغير.
وتظهر الصور «الاستوديو» الذي زينته من وحي المناسبة ففرشت أرضيته بسجادة خضراء ووزعت على أطرافه سعف النخيل المزينة ومجسمات الأرانب.  تقول سوسن «نحن على بعد خمس دقائق فقط من القبر المقدس لكن لا يمكننا الوصول إلى هناك (...) شعور يفطر القلب».
 
عيد الفصح
ويُحتفل بعيد الفصح هذا العام بلا مسيرات أو قداديس تقليدية بسبب وباء فيروس كورونا المستجد الذي أودى بحياة أكثر من مئة ألف شخص بينهم أكثر من 2100 خلال 24 ساعة في الولايات المتحدة.
وسجلت حصيلة وفيات مرض كوفيد - 19 التي تواصل ارتفاعها بسرعة في العالم، زيادة كبيرة خصوصا في الولايات المتحدة حيث بلغ عدد المصابين 500 ألف شخص، بينما توفي أكثر من 2100 بالفيروس. وكغيرها من الدول، يفترض أن تلتزم الولايات المتحدة التي سجلت أكبر عدد من الإصابات، الحذر بشأن رفع إجراءات العزل، إذ إنَّ اتخاذ قرار قبل الوقت المناسب قد يؤدي إلى انتشار الوباء من جديد والتأخر فيه يمكن أن يزيد من الكلفة الاقتصادية المؤلمة جدا حتى الآن.
 
«أسوأ سيناريو»
إلى جانب الولايات المتحدة، ارتفعت حصيلة وفيات الوباء في فرنسا إلى أكثر من 13 ألفا، وفي بريطانيا حيث توفي نحو ألف شخص في يوم واحد. وارتفع عدد الوفيات ثلاثة أضعاف خلال ثمانية أيام في بلجيكا حيث أودى الوباء بحياة 3019 شخصا. وتجاوز عدد الوفيات الألف في البرازيل الجمعة.
لكن تخفيف إجراءات الحجر غير وارد. فقد دعت الحكومة البريطانية إلى احترام إجراءات العزل على الرغم من الطقس الجيد في نهاية الأسبوع.
وتم تمديد هذه الإجراءات في إيطاليا وإيرلندا حتى مطلع أيار. وفرضت تركيا حيث توفي نحو ألف شخص بالمرض، إجراءات في 31 مدينة طوال عطلة نهاية الأسبوع.
وبينما تستعد بعض الدول الأوروبية لرفع هذه الإجراءات كما فعلت الصين، شددت منظمة الصحة العالمية على أن القيام بذلك بسرعة «يمكن أن يؤدي إلى عودة قاتلة» للوباء.
ويحذر خبراء أيضا من ذلك. وقال ديفيد لالو مدير معهد الطب الإستوائي في ليفربول إن «أسوأ سيناريو سيكون الخروج إلى الشوارع للاحتفال بتبادل الناس القبل والعناق».