كورونا سوف يدمر الاقتصاد التركي

السبت 11 نيسان 2020 367

كورونا سوف يدمر الاقتصاد التركي
ترجمة: أنيس الصفار*
 
قال المستثمر "وارن بافيت" ذات مرة: "لن نعلم من الذي يسبح متجرداً من ملابسه قبل أنْ تنجلي الموجة"، وما أبلغها من عبارة. لقد أخذت جائحة "كوفيد - 19" الحكومات وقطاع الأعمال الخاصة على غرة معاً في جميع البلدان قبل أنْ يتحسبوا ويحتاطوا، أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فقد وضع أمته في موضعٍ هش بين جميع الأسواق الكبرى الصاعدة بسبب سنوات من سوء الإدارة السياسية والاقتصادية.
إذا ما بقي أردوغان مصراً على ركوب فرس أخطائه السابقة والمراهنة عليها فسوف يستجلب على تركيا مزيداً من الخراب الاقتصادي الذي تدوم تداعياته المالية والجيوسياسية طويلاً بعد مرور الجائحة.
حتى يوم 7 نيسان سجلت تركيا أكثر من 34 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا، وهذا يمثل أحد اسوأ منحنيات العدوى المسجلة، لأنَّ عدد الحالات المؤكدة يرتفع الى الضعفين كل ستة أيام كمعدل، مقارنة بباقي دول العالم حيث يبلغ المعدل تسعة أيام. عدا هذا ثمة قلق من أنْ يكون هذا الرقم المعلن في حقيقته أدنى من الرقم الفعلي. عندما أعلنت أنقرة عن اول اصابة مؤكدة في 11 آذار، وكانت بذلك آخر اقتصاد رئيس في العالم يعلن ذلك، كتب "إرجين كوجيلدرم" من كلية بتسبرغ الطبية تحذيراً في اليوم نفسه تحت عنوان: "تعتيم تركيا على فيروس كورونا كارثة معلّقة." وفي 28 آذار قدر المحلل الاقتصادي "إينان دوغان"، الذي جاء أنموذجه في استقراء المسار البياني لمعدلات الوفيات في الولايات المتحدة غاية في الدقة، أنَّ هناك شخصاً من كل 150 شخصاً في تركيا مصاب بفيروس كورونا، على حد تقديره، وتوقّع أنْ تتخطى أعداد الوفيات 5000 حالة بحلول منتصف شهر نيسان.
بفضل الإصلاحات التي تحققت خلال فترة تولي أردوغان أصبحت تركيا قادرة على تأمين تغطية صحية شاملة من خلال نموذجها لطب الأسرة المدمج، هذا النموذج يتيح للمرضى فرصاً أفضل بدرجة ملموسة مما يتيحه النظام المعمول به في الولايات المتحدة، حيث لا يحظى 45 بالمئة من البالغين بالضمان الصحي، أو يحظون به ولكن دون المستوى المطلوب. بيد أنَّ تركيا، رغم امتلاكها أحد أفضل أنظمة الرعاية الصحية في المنطقة والجوار، تبقى متخلفة عن جميع دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" من حيث عدد الأطباء للفرد من السكان. فإيطاليا على سبيل المثال لديها أكثر من ضعفي عدد الأطباء وثلاثة أضعاف عدد الممرضات بالنسبة للفرد مما تمتلكه تركيا.
يزيد الطين بلة طرد الحكومة التركية أكثر من 150 ألف موظف مدني منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016، أو وضعهم على اللائحة السوداء، ومن بين هؤلاء ما يناهز 15 ألف موظف من المتخصصين بالرعاية الصحية. بل إنَّ الحكومة أجبرت أرفع خبير في تركيا متخصص بفيروس كورونا، وهو مصطفى أولاسلي، على ترك عمله والجلوس متفرجاً على ما يجري بسبب صلات مزعومة له بشبكة دينية مبهمة المعالم يعتقد في تركيا على نطاق واسع بأنها هي التي نسقت لمحاولة الانقلاب الفاشلة.
في 23 آذار أعلن كمال كيليتشدار أوغلو، وهو أكبر زعيم معارضة في تركيا، حزمة مقترحات تضمنت 13 فقرة دعا فيها الى إعادة عمال الرعاية الصحية المفصولين الى أعمالهم وإعادة فتح المستشفيات العسكرية التي أغلقها اردوغان في آب 2016 كجزءٍ من حملته المضادة في أعقاب الانقلاب لأجل نزع أنياب القوات المسلحة التركية وإعادتها تحت سيطرته.
قبل اندلاع جائحة فيروس كورونا بوقتٍ طويل بدأت تركيا والأسواق الصاعدة المناظرة لها تلمس أنَّ أسواق المال الدولية تتراجع عن تمويل العجز في حسابها الحالي. في آب 2018 ارتفع سعر مقايضة عجز السداد الائتماني التركي، وهو الضمانة ضد أي عجز عن سداد الدين السيادي التركي، الى أعلى مستوى له منذ 2009. أدى هذا الى ظهور قوس بياني مقلوب، إذ تخطى سعر حماية العجز عن سداد الائتمان لسنة واحدة أسعار التأمين لخمس سنوات، وهي إشارة نادرة تدلُّ على وجود ضائقة اقتصادية خانقة.
في شهر أيار الذي أعقب ذلك ارتفع سعر مقايضة عجز السداد الائتماني التركي مرة ثانية بسرعة صاروخية وبدأت اسواق المال بتسعير العجز. في ذلك الوقت جاء ترتيب مديونية تركيا في المرتبة الرابعة عالمياً كأعلى المديونيات مجازفة بعد فنزويلا والارجنتين وأوكرانيا. منذ ذلك الحين ادى الهبوط الموجع لقيمة العملة والعائدات الخارجية اللذين اطلقتهما جائحة فيروس كورونا الى تعميق الازمة في جميع الاقتصادات الصاعدة التي اخذت تناضل من اجل تجنب العجز.
الأمر المثير للدهشة أن وزير المالية والخزانة التركي بيرات البيرق (وهو زوج ابنة اردوغان ويشارك نسيبه نهجه الاقتصادي اللاتقليدي) كان يبدو عليه الاسترخاء المالي بشكل يفوق التصور. ففي 19 آذار صرح بأنه لا ينتابه أي قلق ازاء قدرته على تغطية النمو الحكومي والميزانية وأهداف التضخم للعام 2020، كما توقع حدوث نمو بنسبة خمسة بالمئة للعام الحالي. البنك المركزي التركي، الذي جرده أردوغان من استقلاله ومصداقيته أولاً وبعدها من حصة لا يستهان بها من احتياطيه القانوني في تموز الماضي، راح يهون هو ايضاً من خطر الجائحة معلناً ان الاقتصاد التركي، بما له من بنية ديناميكية، سوف يكون من بين الاقتصادات التي تتجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر وخلال وقت قصير، على حد 
تعبيره.
بيد أنَّ أنقرة ليست مستعدة للتباطؤ الاقتصادي الذي لن يكون منه بد. فخلال هذه السنة انخفضت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار بنسبة 14 بالمئة، الأمر الذي سلط مزيداً من الأعباء على الشركات التركية غير المالية المثقلة بالديون والتي تنوء بالتزامات مالية خارجية يقارب مجموعها 300 مليار دولار (ثلثها بصيغة قروض قصيرة الأمد). وإذ يتواصل إحساس الأعمال التجارية المنهكة في البلد بأنَّ مواردها تنكمش كان مكافئ الليرة قد تنامى بنسبة 20 بالمئة على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية مقابل خدمة التزامات الصرف الأجنبي.
إضافة الى ما سبق هناك الانتكاسة الحادة في احتياطيات البنك المركزي من العملات الاجنبية التي هبطت الى نزر لا يتعدى 1,5 مليار دولار، وقد حاول البنك إخفاء الأمر وراء عمليات تبادل قصيرة الأجل مع المصارف المحلية. منذ كانون الثاني 2019 بدا وكأن البيرق يحاول استنفاد مبلغ 65 مليار دولار من احتياطيات البنك من اجل انتشال سعر الليرة المتداعي، رغم ذلك يتنبأ المحللون في بنك "أم يو أف جي" الياباني ان الليرة سوف تتعرض في ظرف عامٍ واحد لانخفاض إضافي مقداره 18 بالمئة من قيمتها، وهذا سيهبط بمعدل قيمتها التبادلية الى 8 ليرة مقابل الدولار وهو انخفاض قياسي مقارنة بسعر 3 ليرة مقابل الدولار في
أيلول 2016.
أظهرت دراسة حديثة أجرتها شركة "مورغان ستانلي" أن النسبة بين احتياطيات العملة الاجنبية الى الاحتياجات المالية الخارجية، معبر عنها بصيغة مئوية، كانت الأوطأ بالنسبة لتركيا ضمن سيناريو الضائقة المالية لعدد من الاقتصادات الصاعدة. فقد جاءت تركيا متخلفة عن جنوب افريقيا والارجنتين وباكتسان، الأمر الذي جعل انقرة معتمدة بقوة على المزيد من القروض الاجنبية في اسواق ذات طابع عدائي، على حد تعبير الدراسة المذكورة. 
خزائن تركيا الخاوية هي احد الاسباب التي جعلت اردوغان عاجزاً في 18 آذار عن الكشف عن اكثر من خطة حوافز هزيلة لا تتجاوز 15 مليار دولار. حزمة أنقرة تصل الى 1,5 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، وهذا يجعلها ضئيلة جداً بالقياس الى حزم الدول المصدرة الاخرى ومنها الولايات المتحدة (11 بالمئة) والمانيا (4,9 بالمئة) والبرازيل (3,5 بالمئة).
في لمحة شجاعة نادرة قدم مجتمع الأعمال التركي التماساً الى اردوغان طلباً لحوافز مالية اضافية. ولأن الرئيس التركي لم يعد في جعبته الكثير من القدرة النارية لم يجد مناصاً من اللجوء الى "حملة تبرعات"، حيث طلب من المواطنين تقديم المساعدة من اجل التصدي للوباء الاقتصادي، متعهداً من جانبه أن يتبرع براتبه لمدة سبعة شهور. تفيد التقارير بأنَّ الموظفين المدنيين يرغمون حالياً على التنازل عن قدرٍ معينٍ من رواتبهم، وهو تنازلٌ قد لا يستطيعون الاعتراض عليه خشية التعرض لمجازفة الفصل من الوظيفة بلا سبب مبرر في جولة التطهير المقبلة التي سيقوم بها 
اردوغان.
يفاقم الأمور أكثر أنَّ أزمة تركيا المزدوجة، في الجانبين المالي والصحي، قد أبرزت أشرس غرائز البقاء لدى الرئيس التركي. ففي الشهر الماضي حذر "ستيفن كوك"، من خلال مقالة نشرتها مجلة "فورن بولسي"، أنّ أردوغان اليوم "رجل يسيطر عليه القلق من أنْ يلام على كل المرض والموت الذي ستأتي به الأيام المقبلة أكثر من قلقه على سلامة شعبه".
منذ اندلاع الجائحة اختفى الرئيس التركي عن الشاشات، وهو الذي عودنا على رؤية صورته في كل مكان، تاركاً لوزير صحته تولي مهمة التواصل مع الجماهير، وربما كان يعد المسرح منذ الآن لجعل الوزير يتحمل أعباء السقوط في نهاية المطاف. إبان ذلك، وإذ شعر اردوغان بالقلق من حسن أداء رئيس بلدية انقرة واسطنبول اللتين تتولى ادارتهما المعارضة، راح يحمل عليهما بسبب اجرائهما حملات لجمع التبرعات من دون أخذ الاذن بذلك، كما حجب الحسابات المرصودة للبلديات التي خصصت لمساعدة الاهالي الذين ابتلوا بالفيروس في المدينتين.
ربما سيتمكن الرئيس التركي من تفادي اللوم عن حصيلة الوفيات المتحققة، ولكن من الواضح انه يرى في جائحة فيروس كورونا فرصة أخرى لتشديد قبضته على السلطة من خلال فرض اجراءات صارمة جديدة. فمنذ 25 آذار الماضي اعتقلت السلطات التركية اكثر من 400 شخص بحجة أن ما ينشرونه عبر مواقعهم على وسائل التواصل الاجتماعي ليس سوى "محاولة لإثارة الاضطراب والشغب"، على حد زعم السلطات. ومنذ 5 نيسان قام الادعاء العام التركي باستجواب ثمانية صحفيين بسبب تقارير نشروها تتعلق بـ"كوفيد - 19". 
بلغ الأمر بأردوغان حد إقامة شكوى جنائية في 7 نيسان ضد مقدم برامج على قناة "فوكس" التلفزيونية بسبب ما وصف بأنه: "نشر الأكاذيب والتلاعب بالرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، وذلك بسبب اشارة المقدم المذكور في تغريدة له الى أن الحكومة قد تطالب كل من لديه حساب مصرفي بتقديم مساهمات للحملة ضد فيروس كورونا. في غضون ذلك كان الرئيس التركي منشغلاً ايضاً بإقالة واحتجاز رؤساء البلدية المنتخبين التابعين لحزب الشعب الديمقراطي المؤيد للكرد وتعيين ثمانية آخرين من معتمديه ليحلوا محلهم. النظر الى سجل اردوغان في التعامل مع أزمات سياسيَّة واقتصاديَّة سابقة يوحي بأنَّ هناك مزيداً من الإجراءات القمعيَّة آتٍ في الطريق.
بينما تواجه تركيا، والعالم كله، تحدياً لم يسبق له مثيل في الميدانين المالي والصحي يقع اردوغان في غلطة الخلط بين جائحة "كوفيد - 19" والأوقات الصعبة السابقة التي تمكن من تنحيتها جانباً وإبقائها بعيداً عن الأعين باستخدام أساليب القبضة الثقيلة المشفوعة بجرعة من الخطاب الاستقطابي. الأزمة الحالية أزمة لم يشهد لها نظير من قبل، وهي تستدعي التعاضد والثقة، بين صفوف الأمة الواحدة وبين الأمم وبعضها. هناك أزمات كارثية في المجالين المالي والصحي بانتظار تركيا ما لم يتوقف الرئيس التركي عن المجازفة والإمعان بالمراهنة على أخطائه السابقة. كل أزمة من هذه الأزمات ستكون معدية للشركاء التجاريين لهذا البلد، قريبهم وبعيدهم.
 
*أفكان إرديمير وجون ليكنر/عن مجلة "فورن بولسي"