الموت بالتاء الطويلة

الأحد 12 نيسان 2020 473

الموت بالتاء الطويلة
عبدالهادي مهودر
 
عندما رحل المعماري رفعة الجادرجي في لندن قبل أيام استذكر الجميع أعماله وبحث الكثيرون ممن لا يعرفونه في عالم المعلومات المجاني (غوغل) للتعرف عليه عن كثب، وأثار البعض جدلاً حول كتابة اسمه بالتاء الطويلة أم القصيرة، وهو اختلاف غير محسوم، ومثلها اليوم شكراً أم "شكرن" حسب نظرية الجيل الكارثي الجديد، غير أنَّ موت الجادرجي لا جدال فيه ولا جدال في الحقيقة التامة وقد مات الرجل ولم نختلف على كتابة الموت بالتاء الطويلة.
عند استعراض أعمال الجادرجي نفاجأ بالكم الكبير من الأعمال والنتاج الفكري الذي لا يعرفه إلا المتابع مع بعض حقائق تثير الجدل في كونه قد أخذ استحقاقه من الشهرة كأقرانه مثل جواد سليم أم لا؟، ويتبين لنا أنَّ الشهرة حظوظ وإبداع، فليس كل مبدع مشهوراً وليس كل مشهور مبدعاً وإنَّ ظروفاً وأسباباً موضوعيَّة واستثنائيَّة تتحكم بهذه التفصيلة من حياتنا وحياة المشاهير والمجاهيل، وقد كان موضوع الشهرة حديثاً تجاذبناه مع صديقنا الكاتب المعروف وأستاذ الفلسفة الدكتور طه جزاع في گروب خاص يجمعنا مع أصدقاء بعدد أصابع اليد الواحدة وگروبات هذا الزمان (سواجي).
وعودة الى الجادرجي فهو مصمم قاعدة نصب الحرية لجواد سليم، هذا النصب الذي يوحد العراقيين أكثر من أي رمزٍ آخر، فنحن مختلفون حتى حول العلم الرسمي وما زال علمنا محكوماً عليه دستورياً مع وقف التنفيذ، وقد شارك الراحل الجادرجي بجدل العلم العراقي بعمق حين صمم بعد ٢٠٠٣ علماً بالأبيض والأزرق والهلال وصدم مزاجنا المعتاد بصرياً على ألوان حادة غير متداخلة، وقيل عنه ما قيل، وربما كان الجادرجي سبباً في بقاء ألوان العلم العراقي الحالي كما هي دون قصد منه، وقلة قليلة يذكرون الجادرجي أو محمد غني حكمت عند ذكرهم لنصب الحرية، كما أنَّ الأكثرية يذكرون "أراك عصي الدمع" لأم كلثوم ويتركون أبو فراس الحمداني الذي لم يتقاض فلساً ولا درهما من أم كلثوم غفر الله ذنبها ولا يصفق له أحد على المسرح ونالت الراحلة أموالاً وشهرة وعبارات (عظمة على عظمة يست) بفضل الحمداني وإبراهيم ناجي وهادي آدم وبليغ حمدي والسنباطي وعبدالوهاب كما نال غيرها هذا النصيب بفضل زامل سعيد فتاح وجواد أموري والقره غولي، ومن خلف الكواليس أكثر فأسطة البناء لا يذكر وينسب البناء للقائد والزعيم، وهكذا هي الدنيا وسنة الحياة والاستحقاقات.
وكما صدمنا الجادرجي بألوان علمه الذي لم ير الشمس، فقد صدمنا بوصيته بأنْ تحرق جثته عند موته، بالتاء الطويلة طبعاً.. والبقاء لله.