الموسوعيّ الذي رحل!

الاثنين 13 نيسان 2020 277

الموسوعيّ الذي رحل!
 جواد علي كسّار
 

على مدار عقد بل أكثر كنتُ أتابع أخباره من بُعد، وأترقب بلهفة صدور موسوعته الرجالية، حتى انتابتني الملالة وساورني شيء من الشك، حدّثتُ به بعض المقرّبين، وأنا أستبعد أن تصدر الموسوعة، ليس شكاً بالقدرات العلمية لصاحبها، وما يتحلى به من صبر وأناة في متابعة مادّتها، بل لأن العمل الموسوعي في عصرنا، بات شاقاً جداً إن لم يكن مستحيلاً عملياً لفرط صعوبته، إذا لم تتوفر له مؤسّسة أو فريق عمل جماعي ومالٌ يدعمه، وصاحبنا فرد واحد يريد أن ينوء بالحمل وحده!
هذه باختزال شديد هي قصة واحد من الموسوعيين القلائل؛ السيد جودت القزويني الذي رحل عنّا على مسافة أيام قليلة، فقد دأب لعقدين أو أكثر على جمع مادّة توثيقية عن أعلام العراق خلال مئة سنة (1900 -  2000م) وقد أنفق جهده أكثر ما أنفقه، على الأعلام المغيّبين والمهمّشين والمقصيّين من العراقيين، وممن مرّ بالبلد وعاش فيه خلال هذه المدّة، وأُهمل ذكره لهذا السبب أو ذاك، من دون أن يغفل تماماً عن الأسماء البارزة والأعلام المشهورين، الذين شغلوا حيّزاً أقلّ مقارنة بالصنف الأول.
لقد عاش السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته، همّ هذه الموسوعة، وبذل في سبيلها جهده ووقته وماله، وتحوّلت إلى هاجس يعيش معه، وهو يُلاحق الأعلام ومن له معرفة بهم في العراق مسقط رأسه، ثمّ مصر وإيران وسوريا ولبنان والخليج، قبل أن يستقرّ به المقام في أوروبا، وكان عندما يعود برزمة من الأوراق أو الوثائق والصور، يعيش من السرور والبهجة، كحال من عثر على كنز نفيس. لكن كانت تقلبات الأيام تعانده في إصدار الموسوعة، وكذلك توارد المحن عليه وانتقاله من مهجر إلى آخر، حتى صمّم أخيراً أن يتفرّغ لإعداد صيغتها الأخيرة وإصدارها من بيروت، فاختار فيها سكناً، ليس فيه خلا الكتب والأوراق والوثائق والصور، أثاث إلا النزر اليسير.
ومع ذلك فقد حلت عليه ببيروت نكبة كادت أن تقضي عليه وتوقف نبضات قلبه، لولا أن تداركته رحمة من الله. فقد توقع أن تضرب «إسرائيل» ضاحية بيروت حيث يسكن، حين فرِح من فرَح باختطاف جنديين إسرائيليين، وهذا ما حصل عام 2006م، ودفعه لترك سكنه هرباً من القصف، حتى إذا ما عاد إليه وجده ركاماً، قد اختلطت أوراقه وعصارة عقله وجني عمره مع الأنقاض، فخارت قواه، وجلس ينقّب في الأنقاض لياليَ وأياماً، حسيراً كئيباً، فلملم ما استطاع العثور عليه بمعونة آخرين.
نزلت الواقعة عليه درساً بليغاً رغم قسوتها، فهمّ بجهد مستأنف، لكن هذه المرّة دون مطال وتسويف وآمال عريضة، وجمع ما تناثر من أوراقه وملفاته عند الأقرباء والأصدقاء، وما ضمّه حاسوبه في بيته بلندن وأقراص مدمجة كان قد أودعها في أكثر من مكان، تحسّباً لنكبات الزمان من هذا الذي وقع له ببيروت وغيره، وعكف على إصدار الموسوعة بجهد متواصل دون انقطاع، وهذا ما كان، لكن بمفاجأة ما كانت بالحسبان!
كنتُ أمضي الساعات أطوف في صالات معرض الكتاب ببغداد لدورة سنة 2012م، حين ذكر لي مسؤول المعرض بأنه وأخيراً صدرت موسوعة السيد جودت القزويني، وأرشدني إلى الدار التي نشرتها، حقاً لم أصدّق ما رأيته لولا أنه متمثل أمامي على نحو العيان؛ إنها موسوعة السيد جودت، وقد أطلق عليها «تأريخ القزويني» نسبة إليه، بيد أن ما ينأى عن التصديق أكثر، أنها تقع في ثلاثين مجلداً بالتمام والكمال!
هكذا إذن؛ وأخيراً قد صدرت الموسوعة بعد طول انتظار، وتكللت جهود السيد جودت على مدار أكثر من عقدين، بثلاثين مجلداً من تراجم المنسيين والمعروفين من أعلام العراق، عدا كتبه وإصداراته الأُخر التي تناهز العشرين، وهذا ما خفّف عليّ ومعارفه خبر وفاته من خلال ميراثه المعرفيّ رحمه الله!