بعض الناس أكثر قدرة على نشر الأمراض

الثلاثاء 14 نيسان 2020 265

بعض الناس أكثر قدرة على نشر الأمراض
ترجمة: أنيس الصفار*
 
بينما فيروس كورونا يصول ويجول في البلدان شرقاً وغرباً، ثمة سؤال يشغل العلماء: هل هناك بالفعل أشخاص أعلى قدرة على نقل العدوى والمرض؟ هل هناك فعلاً من يمكن تسميتهم "الناشرون الفائقون" .. أي أشخاص يبدون وكأنهم ينفثون مسببات الأمراض نفثاً من حولهم بحيث يكونون مؤهلين بشكلٍ خاصٍ لنقل العدوى الى غيرهم؟

يبدو أن الجواب على هذا السؤال هو: نعم يبدو أن هناك من الناس بالفعل من هم "ناشرون فائقون"، هي عبارة فضفاضة بلا شك، ولكن المقصود بها أناس معينون قادرون على نقل عدوى المرض الى أعداد من الناس بنسبة تفوق كثيراً ما ينقله الآخرون، وهذه القدرة قد تكون متأتية من تكوينهم الوراثي أو عاداتهم الاجتماعية، أو ببساطة من مجرد تواجدهم في المكان الخطأ في التوقيت الخطأ.
يقول الباحثون إن حاملي الفيروس (أو اي مسبب لأي مرض انتقالي) هؤلاء، الذين يتمحور حولهم ما يقع من حالات الانتشار الواسع، قادرون على توسيع نطاق انتشار الوباء، وقد فعلوا ذلك بالفعل في حالة فيروس كورونا، وهذا يجعل من الأهمية بمكان إيجاد أساليب وطرق تساعد في تشخيص حالات الانتشار أو منع الظروف والأوضاع، التي تسمح بوقوع الانتشار الواسع، مثل الغرف المكتظة.
لا يقلون عن هؤلاء أهمية أشخاص آخرين يقعون في الطرف المقابل من الطيف.. هؤلاء الأشخاص يصابون بالعدوى ولكن احتمال نقلهم لها ونشرها في المحيط ضعيف.
يقول "جون زيلنر"، وهو متخصص بعلم الأوبئة من جامعة مشيغان، إن الفرز بين من هم اكثر قدرة على نقل العدوى ومن هم أقل قد يحدث فرقاً هائلاً في مدى السهولة والسرعة، التي يمكن بها احتواء أي حالة اندلاع وبائي تقع، فحين يكون الشخص "ناشراً فائقاً" يكون من المهم جداً تتبع مسار احتكاكاته وملامسته للآخرين، ولكن حين يكون المصاب عكس ذلك، أي شخص لا ينقل الفيروس، رغم كونه حاملاً له، فإن تتبع مسار ملامسته يكون اضاعة للجهد.
يقول الدكتور زيلنر:"بيد أن الجزء المحير هنا هو أننا لا نعلم من هم هؤلاء الاشخاص ومن هم اولئك."
ثمة عاملان يتداخلان في الأمر، كما تقول "مارتينا موريس" التي تحمل درجة استاذ فخري في الاحصاء والمجتمع من جامعة واشنطن. تمضي موريس موضحة: "لا بد من تحقق صلة تماس بين الناس لكي تنتقل العدوى، هذه الصلة ضرورية بلا شك، ولكنها ليست كافية لوحدها. العامل المساعد الاخر هو مدى قدرة الشخص المصاب نفسه على نقل العدوى، ولكن البيانات المستقلة في هذا الجانب تكاد تكون معدومة."
تنبهنا موريس على أننا قد ننسب الى شخص ما بالخطأ التسبب بحالات عدوى عديدة، وهذا يمكن أن يعرضه لمواقف عدائية محتملة ممن حوله، في حين أن ذلك الانتشار، قد لا تكون له علاقة باستعداد الشخص على نقل العدوى.
تقول موريس: "إذا كنت أول شخص يصاب بالعدوى في قاعة مكتظة، وكان المرض من النوع المعدي والقابل للانتشار بسهولة، فسوف تبدو وكأنك أنت المصدر الناشر للمرض، من المحتمل ان كل من في تلك القاعة كانوا حاملين للمرض، ولكن شاءت الصدف أن تكون أنت الأول في الطابور."
رغم هذا يبدو أن هناك حالات تسببت فيها قلة من الأفراد بإطلاق شرارة اندلاع وبائي واسع، في حالة "كوفيد-19" ليس من المؤكد بعد أن أصحاب القدرة العالية هؤلاء هم أشخاص تبقى العدوى لديهم صامتة فلا يعلمون أنهم مرضى، كما يقول الدكتور "توماس فرايدن" المدير السابق لمركز مكافحة الامراض والوقاية منها، بيد أن الأمر المرجح، كما يضيف، هو أن حالات الانتشار الواسع تكون مرتبطة بأشخاص تظهر عليهم أعراض المرض وتستمر لبعض الوقت، ولكن الأعياء لا ينال منهم الى الحد الذي يلزمهم بيوتهم.
أو ربما تكون الحالات مرتبطة بأشخاص يطرحون في الجو كميات غير اعتيادية من الفيروس، حين يصابون بالمرض، هذا جانب لم تغطه الدراسات بشكلٍ وافٍ يسببه التباين الكبير بين شخص وآخر في كميات الفيروس المعدي، التي تطرح خارج الجسم، في رذاذ السعال الى الهواء مثلاً او عن طريق البراز في حالة أمراض أخرى.
أياً يكن السبب المؤدي الى ذلك، فإن الالتزام بقواعد الصحة العامة، مثل تجنب الأماكن المزدحمة ومراعاة التحفظات الصحية عند السعال، من شأنها منع الانتشار الواسع للمرض، كما يقول الدكتور فرايدن.
تاريخ الطب مفعم بالحكايات عن مسببي الانتشار الواسع لأمراض وبائية، مثل السل والحصبة وغيرهما.
عندنا مثلاً حكاية "ماري مالون"، وهي طباخة اشتهرت بلقب "ماري تايفوئيد". هذه المرأة تسببت بنشر حمى التايفوئيد الى اكثر من 50 شخصاً خلال السنوات الأولى من القرن العشرين، لم تكن ماري نفسها مريضة، ولكنها حملت مرض التايفوئيد بصمت من دون أن تظهر أعراضه عليها.
النشر الواسع كان له دور مهم ايضاً في تفشي وباءين آخرين هما "سارس" و"ميرس". ففي بحث نشر حديثاً كتب "جورج غاو"، وهو عالم متخصص بالمناعة وعلم الفيروسات يعمل في مراكز مكافحة الامراض والوقاية منها في الصين يقول: "اندلاع وباء ميرس-كورونا فيروس في كوريا الجنوبية كان وراءه في الأصل ثلاثة أفراد مصابون، إذ أمكن بعد التعقب ربط ما يقارب 75 بالمئة من الحالات التي وقعت بثلاثة اشخاص كانوا من الناشرين الفائقين، وقد تسبب كل واحد منهم بنقل العدوى الى عدد كبير من الأشخاص الذين احتكوا بهم يتجاوز النسب المنطقية المعقولة."
تفشى الوباء في كوريا الجنوبية في العام 2015 حين أصيب رجل عمره 68 عاماً بمرض "ميرس" خلال رحلة قام بها الى الشرق الأوسط، عاد الرجل الى كوريا الجنوبية، وهناك نقل العدوى الى 29 شخصاً، اثنان منهم أعادا نقلها الى 106 أشخاص، بلغ أقصى عدد للإصابات في كوريا الجنوبية آنذاك 166 حالة، وبذا كان هؤلاء الناشرون الثلاثة هم مصدر معظم الإصابات. 
حين اندلع مرض "سارس" في العام 2003 تكشف في ما بعد عن أن أول مريض في هونغ كونغ كان قد نقل العدوى الى 125 شخصاً على الأقل، شملت حالات الانتشار الأخرى بسبب مصاب عالي القدرة على نشر المرض 180 شخصاً في مجمع سكني في هونغ كونغ، إضافة الى 22 شخصاً كانوا يستقلون طائرة متجهة من هونغ كونغ الى بكين.
عندما تفشى وباء إيبولا في افريقيا بين عامي 2014 و2016 أمكن تتبع 61 بالمئة من الاصابات الى ثلاثة بالمئة فقط من
المصابين.
كذلك هي الحال مع جائحة كورونا الجديد، حيث يبدو أن المصابين أصحاب القدرة العالية على نشر المرض هم الذين اعطوا التفشي زخمه هذا. فقد وقعت الحالة الأولى في نهاية شهر شباط عندما اجتمع 175 من مدراء شركة "بايوجين" في مؤتمر عقد في أحد الفنادق وكان بينهم شخص واحد على الأقل مصاب بفيروس كورونا، بعد اسبوعين من ذلك ظهر أن 75 بالمئة من سكان ماساشوستس، الذين أصيبوا بالفيروس، وعددهم 108 أشخاص، كانت لهم علاقة على نحو ما بشركة "بايوجين". من هناك خرجت موجة العدوى لتعم الولايات الاخرى وباقي سكان ماساشوستس.
يتساءل الدكتور "إريك توبول" مدير معهد "سكربس" في سان دييغو: "ترى لم كان هذا المؤتمر بالذات؟ حينها كان هناك العديد من المؤتمرات، كان ذلك قبل الدعوة للتباعد الاجتماعي، لا بدّ من أن شيئاً ما كان يجري في ذلك المكان من دون سواه."
بعد ذلك كان هناك حفل عيد الميلاد، الذي أقيم بتاريخ 12 آذار في بلدة ويستبورت بولاية كونيتيكت، حضر الحفل نحو 50 شخصاً انتهى نصفهم بالتقاط العدوى، ثم راحت عناقيد العدوى تنتشر متنقلة بسرعة جعلت المسؤولين الصحيين يتوقفون عن محاولة تحري مصادرها.
في جنازة بتاريخ 29 شباط في مدينة ألباني بولاية جورجيا نشر احدهم الفيروس من دون أن يدري بين ما يقارب 200 من المعزين، وفي سجن مقاطعة كوك بولاية الينوي أصيب بالعدوى 400 شخص على الأقل.
في النهاية المقابلة من المنحنى البياني، الذي يرسم انتشار العدوى يوجد أشخاص مصابون بالمرض ولكن يبدو أنهم لا ينقلونه الى غيرهم. فحين تفشي وباء ميرس في كوريا الجنوبية بدا أن 89 بالمئة من المرضى الذين اصيبوا به لم ينقلوه الى سواهم.
في حالة جائحة "كوفيد-19" لدينا شاهد مذهل، على هؤلاء الاشخاص، الذي يصابون ولكنهم لا ينقلون العدوى، وهما زوجان من ولاية إلينوي. ففي 23 كانون الثاني كانت الزوجة، التي عادت لتوها من زيارة لمدينة ووهان، أول حالة تثبت اصابتها مختبرياً بفيروس "كوفيد-19" في الولاية، في 30 كانون الثاني أصيب زوجها هو الآخر بالعدوى، وكانت تلك أول حالة معروفة لانتقال المرض من شخص الى آخر في الولايات المتحدة.
اشتد المرض على الزوحين وبلغا مرحلة خطيرة ونقلا الى المستشفى ثم شفي الاثنان.
اهتم مسؤولو الصحة العامة في الولاية بتعقب حالة كل الذين اتصلوا بهذين الزوجين، وكان مجموع عددهم 372 شخصاً بضمنهم 195 من العاملين بمجال الرعاية الصحية، كانت النتيجة انهم لم يجدوا شخصاً واحداً مصاباً بالفيروس بين هؤلاء جميعاً.
تقول الدكتورة "جنيفر لايدن" كبيرة المسؤولين الطبيين في قسم الصحة العامة في شيكاغو إن عدم الانتشار الملفت للنظر هذا قد تكون وراءه عوامل اخرى عديدة مثل: اين قضى الزوجان فترة اصابتهما بالمرض .. وحين وقع التماس بينهما وبين اولئك الآخرين؟ هل كانا يكثران من العطاس والسعال؟ ما مدى القرب الذي كان يصل اليه المتصلون بهما؟ هل من المحتمل أن يكون الاشخاص الذين اتصلوا بهما اقل عرضة للعدوى بطبيعتهم؟
محاولة العثور على الناشر الذي كان منطلق العدوى الواسعة بالفيروس لها اغراء قوي، ولكن لها منزلقاتها ايضاً.
الاحتمال قائم ان يكون مرجع حالات العدوى التي تحدث ضمن جماعة واحدة متقاربة من الأفراد شخص واحد، أو "ناشر فائق"، ولكن مسؤولي الصحة العامة ربما يكونون قد اغفلوا حالات انتقال اخرى تسبب بها آخرون غيره، كما يقول الدكتور زيلنر، كذلك فإن تناقل الحكايات التي تسلط الضوء على شخص محدد بوصفه الناشر الواسع للمرض لها عواقبه الاجتماعية السيئة.
يقول "صامويل روبرتز"، وهو مؤرخ طبي من كولومبيا: "من طبيعة مجتمعنا الاهتمام الشديد بالكوارث والتركيز عليها، وافضل ما يمكن ان تغذي هذه الطبيعة هي القصص على غرار قصص الزومبي لأنها قوية التأثير."
يخلص روبرتز الى أن عامة الناس ليست بحاجة الى معرفة من كان وراء اندلاع الوباء. 
يقول: "الأهم من ذلك هو ان يتعلموا كيف نستطيع حماية أنفسنا، اما العثور على المريض الأول،فإنه لن يجديهم بشيء، كل ما سيفعله ذلك هو اشاعة مشاعر الخوف من الآخرين بينهم." 
عن صحيفة نيويورك تايمز 
* جينا كولاتا