العالقون في البيت

الأحد 19 نيسان 2020 281

العالقون في البيت
عبدالهادي مهودر
 

كنت في تواصل مع عددٍ من الاصدقاء العالقين في أوروبا ودول عربية من الذين واجهوا اوضاعاً صعبة للغاية بسبب جائحة كورونا ، وفي تواصل ايضاً مع صحفية اجنبية عالقة في العراق وقد حاولت افهامها دون جدوى بأن الوضع الصحي في بلادها خطير جداً والاصابات والوفيات تتزايد وان بقاءها في بغداد افضل لها وأسلم ، لكن يبدو ان الغريب في اوقات الشدة يفضل الموت في وطنه على الحياة في الغربة ، وكنا نحن العالقين في بيوتنا نتابع مناشدات العراقيين العالقين في الخارج حتى عادت اعداد كبيرة منهم عودة مشروطة بالحجر الصحي الطوعي الفندقي او المنزلي واذا بدأت بوادر هذه المشكلة بالحل فإن مشكلة العالقين في البيت بقيت مشكلة عالمية عالقة، لا يجرؤ أحد على حلها والغاء حظر التجوال العالمي الذي فرضه فيروس كورونا على الدول الكبرى والصغرى والسبع الكبار والعشرين ونمور آسيا واسود افريقيا والدول اللاتينية و''التينية'' على حد سواء ، حتى ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب العالق في البيت الابيض اضطر لتفويض حكام الولايات الخمسين حق التصرف بولاياتهم لحساسية قرار رفع الحظر على مستقبله السياسي ولعناد حكام الولايات، وتحول الرجل الرهبوت بربطة العنق الحمراء الى رجل رحموت والى متحدث رسمي باسم وزارة الصحة الاميركية بعد أن كان يتهيأ للصراع الانتخابي الرئاسي الساخن منتشياً بورقته الرابحة وبآلاف الوظائف التي حققها وضاعت من بين يديه بلمح البصر، حين تحولوا فجأة الى مواطنين عالقين في بيوتهم ، تلاحقه في هذا الوقت العصيب (نانسي بيلوسي) وتمزق اوراقه وتهاجم قراراته وتحصي عليه انفاسه وتستخدم معه طريقة التسقيط السياسي الشهيرة، ولأول مرة أشعر ''بالفخر'' لأنَّ سياسياً أميركياً كبيراً مثل بيلوسي يستفيد من التجربة العراقية في التسقيط وكأنها واحدة من ''ربعنا'' وعضوة شرسة في إحدى الكتل السياسيَّة.
وفي الدول العربية والاسلامية ومنها العراق يفرض شهر رمضان واقعاً جديداً، فالبقاء في البيت كان امنية الجميع في سنوات الصيام السابقة لكنها اصبحت في هذا العام العجيب ( 2020 ) امنية معكوسة والتفكير بتخفيف الحظر اصبح خياراً صعباً ولكن لابد منه ، تفرضه خصوصية الشهر الفضيل وحاجات الناس وتوقف الأعمال ، وتصاحبه مخاوف حقيقية من خطر تفشي الوباء بسبب عاداتنا الاجتماعية المفرطة في التلاحم والتلامس والتزاور والتحاضن والتقبيل والتعبير عن الشوق والحنين الذي قد يخرج عن السيطرة الى ما لايحمد عقباه، ولا أظن ان حملات التوعية ستفلح في منع المشاعر الجياشة والعادات الاجتماعية لوعادت في زمن كورونا أكثر وأعمق مما كانت عليه (ق . ك) أي قبل كورونا، نعم ان الحياة يجب ان تعود وتستمر خاصةً بعد الانتكاسة في اسعار النفط .. ولكن لو رفع الحظر عن العالقين في بيوتهم قريباً وقبل القضاء على الفيروس وقبل الاطمئنان التام على خلو العراق من الوباء ماذا يمكن ان يحصل غداً من انتكاسة صحية لا قدر الله في ظل عدم الالتزام بالنصائح والتباعد؟!
آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقتراباً.. كنت أستدنيه لكن هبتهُ لما أهابا.