منهجية التحليل!

الخميس 23 نيسان 2020 150

منهجية التحليل!
 جواد علي كسّار
 

ليست قليلة برامج التحليل السياسي في القنوات العراقية، فهي تحشد يومياً عدداً كبيراً من الضيوف بصفة محلّل وما شابه، لكن القليل هو تأثيرها على القرار السياسي، وعدم نجاحها غالباً في تكوين رأي عام اجتماعي ضاغط على صاحب القرار، وهذه من بين أسباب تراكم أزماتنا مع كلّ أزمة جديدة، من دون أن نتخفّف من أزماتنا السابقة.
واحدة من أبرز أسباب ذلك برأيي، أن التحليل عندنا هو إعادة تدوير للوقائع، وليس سبراً لأسبابها، وهو معايشة للظواهر من دون الولوج إلى عللها، والتحليل السياسي لا يستحقّ هذا اللقب إلا إذا تجاوز الوقائع إلى أسبابها، والمعلولات إلى عللها؛ أي تجاوز سطح الظواهر والوقائع إلى نظام التفكير الكامن وراءها، أو إلى بنية العقل السياسي المكوّن لها.
سأكتفي بأمثلة عابرة لهذه النقلة المنهجية المطلوبة، من سطوح الظوهر إلى أعماقها، عسى أن يكون فيها نفعاً.
ربما كان الراحل زكي نجيب محمود (ت: 1993م) هو أول من قارب مقولة أزمة العقل في الثقافة العربية المعاصرة أو حام حولها، بكتابه الذي صدر مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، تحت عنوان «تجديد الفكر العربي»، حيث اختلفت ردود الفعل حيال أطروحة الكتاب، بين مؤيد يصطفّ مع نجيب محمود ورافض لها ينكر عليه مذهبه. 
أما بعد ذلك فقد توالت الأطروحات حيال المقولة وتعدّدت المساهمات، بدءاً من الباحث اللبناني حسن صعب (ت: 1990م) وانتهاءً بمحمد عابد الجابري (ت: 2010م) ومحمد آركون (ت: 2010م). 
الناظر لأطروحات نقد العقل العربي يسهل عليه أن يلحظ أنّ قلة من هذه الكتابات، هي التي اقتربت من الجانب السياسي في تركيبة العقل، حتى ما فعله الجابري في الجزء الثالث من مشروعه نقد العقل العربي وهو يتناول العقل السياسي، لا يكاد يقترب من الواقع بل احتمى بمجموعة من المقولات والتحديدات المستمدّة من التاريخ، على ما فيها من ضعف في الاستدلال ومجافاةِ أوضحِ وقائعِ التأريخ أحياناً، بالأخصّ عندما يقترب البحث من التاريخ الشيعي. 
أجل هناك بعض التناولات الجادّة للجانب السياسي يمكن أن نلمس معالمها في ما كتبه حسن صعب وحامد ربيع (ت: 1989م) في دراسته لأزمة النظرية السياسية في العالم العربي، خاصة عندما أتبع ذلك بدراسات أُخر، عن أزمة المؤسّسات في النظام السياسي. 
ما تدلّ عليه هذه المحاولات، هو وجود وعي مميّز بأزمة فكرية ضاربة، تبدأ خطوطها العميقة من أزمة الأنظمة السياسية الحاكمة، لتنتهي عند التيارات الفكرية الطافية على سطح الساحة، أو بالعكس.
أحسب أنّ الحاجة ما تزال ماسّة لتركيز الحديث حيال أزمة الفكر والنظرية والمنهج عند نقطة الأنظمة السياسية ذاتها، سواء تمثلت هذه الأزمة بالفكر المعتمد أو بالأشخاص المديرين أو بالمؤسّسات المدارة وما ينتج عنها. لكن بشرط أن لا تجمد هذه الدراسات عند هذه المنطقة وحدها من الأزمة، ومن ثمّ لا تقع في أسلوب التعميم المجتزئ الذي يضخّم عاملاً واحداً، تبعاً لرغبات أو إسقاطاتٍ منهجية ويهمل بقية العوامل.
يمكن إلفات النظر، بل إعادة الاعتبار لمساهمات مهمّة برزت حول الواقع السياسي العربي، من الزاوية التي ترتبط بأزمة الفكر والنظرية والمنهج أو أزمة العقل، ساهمت بإضاءة المشهد بهذا القدر وذاك. ففي هذا المضمار لا ينبغي أن نهمل الأهمية التي تحظى بها القراءة النقدية التي قدّمها المفكّر المصري فؤاد زكريا (ت: 2010 م) لاستهلاكيّة محمد حسنين هيكل (ت: 1016م) الصحفية، في كتابه «كم عمر الغضب: هيكل وأزمة العقل العربي» لجهة ما تمثّله هذه الاستهلاكيّة من خطر على الوعي العامّ، ومن خدمة للخطّ الرسمي السائد، بالرغم من الألوان المتعدّدة التي يسعى هيكل أن يلبسها في كتاباته المختلفة، وتالياً حواراته المتلفزة ذات اللغة العامية الشوهاء، والتكرار المملّ الذي يهدف للتذاكي والاستخفاف بعقول الناس!