البعد الرابع في {دوائر مربعة}

الاثنين 27 نيسان 2020 193

البعد الرابع في {دوائر مربعة}
            مالك مسلماوي
 
   احياناً ما تختزل لنا العنونة النيات المبيتة للمدونة الشعرية وتعمل على سحب القارئ نحو فضاء محدد بمناورة يعتمدها الشاعر للامساك بانتباه القارئ من خلال ما يحمله العنوان من استفزاز.. و(دوائر مربعة)(1) مغالطة مقصودة لتوفير قدر من الاثارة يصل الى حد الصدمة وترك الاثر في الذات المستقبلة.
  والصدمة هنا تتأتى من التناقض في اضافة الشيء الى ضده .لكن الشفرة هنا تشير الى دلالة خفية  و تنطوي على تخطي المعقول الى اللا معقول.. فمن المعقول أن يطير الطائر بجناحين , اما ان يطير بجناح واحدة فهو ما لا يحتمله عقل.
     في الوهلة الاولى احالني العنوان الى رسالة (التربيع والتدوير)(2) للجاحظ. وهي رسالة من الادب الساخر.. ومع وجود التضاد بين التربيع والتدوير الا ان العطف افاد الجمع بين متضادين اثنين , لكنه في (دوائر مربعة) جاء وصفين متضادين لشيء واحد.. فعنوان رسالة الجاحظ ضمن القول المعقول المقبول , و (دوائر مربعة) خرق للمعقول و مناوأة للمقبول السائد ..   والمقترح القرائي المتحصل من توصيف (البعد الرابع) في هذه القراءة يتأسس على ان الظاهرة المادية تقوم على ثلاثة ابعاد  هي : (الطول , العرض , الارتفاع ) في علم الرياضيات , وهي تعبير عن مكان وقد اضاف اينشتاين بعداً رابعاً بحسبة زمنية في الذهاب الى ما بعد الحدث المتحقق في لحظة ما , وذهب آخرون الى تحققه في عوالم فنتازية او روحانية (3), فنجد تفسيراً آخر للبعد الرابع :1- روح الله القدوس (الروح القدس ) 2- روح الابليس ( الروح الشيطاني ) 3- الروح  الإنسانية ( الانسان الباطني ), تسمى هذه المجالات الروحية بالبعد الرابع ..وهكذا .  فالظاهرة بأبعادها الثلاثة يعبر عنها خطاب منكشف وسيلته اللغة (العاقلة) ذات المرجعيات المعجمية او المرجعيات الحاضرة في الذاكرة الجمعية المتجسدة في العلاقة بين اللفظ والمعنى.. و البعد الرابع تخطي لهذا الخطاب الى ما بعده او الى ما يولده من دلالات قصية غير ثابتة و (غير مرئية ), بلغة ليس غايتها الاولى الامساك بمعنى او قصد محدد , انما العبور الى ما وراء المعنى او ما يستدعيه, ليضع القارئ امام متوالية من الاسئلة وحالة من التأمل والبحث الدائم عن اجابات ومعان يحاول الوصول اليها بوعيه و ذائقته 
وحدسه ..    يحيلنا ذلك الى خطاب منهمك بالزمن .. لذا يمكننا القول: ان الحياة المنتظمة المستقرة تعكسها القصيدة المنتظمة والايقاع الثابت و سطوع المعنى والذوبان في السياق 
العام .. اما الواقع المتغير المضطرب فيعبر عنه النص المتمثل بروح العصر و رؤاه العميقة والهروب من الغرق في السياق العام ولو حدث هذا يكون الابداع في خطر داهم ,  وسيتم الغاء الشاعر اذاً , ومسخ 
وجوده ! 
حسب عبد الله الغذامي(4) الذي يعود ليرى في ذلك افتراضاً غير صحيح ليذهب للتفريق بين السياق والشفرة.. والعلاقة بينهما علاقة اخذ ورد . والشفرة هي الخصوصية الاسلوبية للمبدع ذاته.
     تتأرجح نصوص المجموعة بين مستويين متداخلين من الوعي و اللاوعي .. يؤكد ذلك استعارة الشاعر قول (اندريه جيد) : " ان اجمل الاشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها 
العقل "  :
"في ساعة متأخرة من الوهم
كان صديقي..
يمتطي جنوني بقسوة.
و يعقد هدنة..
مع الموت
غير مكترث بالمر السري
الذي تساقط لحظتها, " ص21
   النص في (دوائر مربعة) ينطلق من نقطة زمنية او مكانية محددة ثم ينساح في فضاء مطلق ترتقي فيه اللغة حتى لحظة الهيام الصوفي و التعري من عوالق الحياة في لحظتها الراهنة.. و كأن الشاعر يقلب قول اندريه جيد دون ان يعي ليقول هو : ان اجمل الاشياء هي التي يقترحها العقل ويكتبها الجنون.. فالزمن والمكان وجود واع في ذاته , يشكل منطلق دائم في رحلة النص من الوعي الى اللاوعي .. فعلى العموم يبدأ النص بزمان او مكان (شبه جملة من جار ومجرور او ظرف ) كما يلاحظ القارئ , على سبيل المثال لا الحصر اورد انموذجين :
اعتذار متأخر
"على ضفاف احلامه
وقف الشاعر..
مفتتحاً ربيع صوره الفكرية.
ناثراً اسئلته
في مجازات و رموز
تتكسر عند اهدابها
جذوع الاجابة.."         
 ص24
الصمت الملتبس
عندما كنت في حضيض خيباتي
و قبل أن اطفئ
في منفضة الالم..
اسئلتي
أطل على الموت
لأن القدر
اصر في عبثيته....."          
ص29
ان هذا التآلف الدائم مع ثنائية  الزمان / المكان هو تآلف مع الوجود المادي وكشف عن جدلية الذات /الواقع و ديمومة الصراع بين القطبين و اظهار مدى الازمة التي تعاني منها الذات المتآلفة والمناوئة بما تختزنه من شك و رغبة وعدم انسجام. 
الامر الذي يجعل النص يجنح نحو العمق والسقوط في الايهام والابهام , كما في النزول الى الدائرة الثالثة من الدائرة المربعة : 
" في الربع الاخير من الليل كان المكان نائماً،
تحت وسادة الريح
و كان الغيم ..
يبتكر طرقاً،
تجمع بين الكلي والجزئي..."      
ص51
    النص كما نلاحظ بين صعود وهبوط كأنه في حالة مد وجزر , الصعود نحو المطلق والهبوط على الارض و ملامسة التفاصيل اليومية الصغيرة في ماهيتها لكنها ذات وقع ضاغط على النص / الذات المحبطة ..ان ( التآلف المتناقض) هذا يضعنا امام حالة من الانحياز في ثنائية الوجود / العدم .. فتردد مفردة (الموت) ومرادفاتها هو هروب وخوف دائم من العدم , لقد تكررت حوالي عشرين مرة.. الموت بشكليه : "الموت الصريح (الفيزيقي) والموت الضمني الناتج عن الانهيارات والانكسارات النفسية والاجتماعية.."(5) فالموت هاجس مزعج يطفو على مساحة عريضة من لاوعي الشاعر.. حتى انه يعنون لاحد النصوص (سأعلن عن موتي 
قريباً):
" في الربع الاخير من موتي
كنت اجلس
في مقهى شعبي
في حي السيدة زينب
و كنت احدق
 بربيع عمري
و هو يهرب من بين يدي
حاولت ان اعدو خلفه
سبقني..!
تركني أتعثر بخطواتي.."         
ص59
    بهذه العجالة القينا نظرة خاطفة على تجربة شعرية متميزة في كتابة نص له خصوصيته في ما يتركه من أثر ومتعة لدى المتلقي المحترف , وما يتسم به من عمق دلالي ولغة فيها من الاختزال والتكثيف ما يجعلها تعبيراً منسجماً مع روح العصر وازماته النفسية 
والوجودية. 
 
الهوامش:
 (1)    جابر محمد جابر/ دوائر مربعة / منشورات جدل/ 2012/ سوريا. دمشق
 (2)  الجاحظ هو عمرو بن بحر بن محبوب. صاحب اشهر مدرسة للنثر في القرن الثالث الهجري.. 
ومن مؤلفاته في التندر والسخرية (رسالة التربيع والتدوير) او المفاكهات وتضم معارف وعلوماً واساطير شتى, افتتحها الجاحظ بوصف خلقة أحمد بن عبد الوهاب العجيبة! فقد كان قصيراً مربعاً , وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته 
مدوراً . 
 (3) وردا أسحاق عيسى القلو ..قناة عشتار الفضائية
 (4) ينظر الدكتور عبد الله محمد الغذامي/تشريح النص/دار الطليعة /بيروت/ط1- / 1987 .
ص67.
 (5) تجليات الموت في الشعر العراقي/ د.سامي محمود علوان/ مجلة تامرا/العدد. 2/ 2018.