المفسّر.. الخلفيات الذهنية

الاثنين 27 نيسان 2020 236

المفسّر.. الخلفيات الذهنية
 جواد علي كسّار
 
هل يمكن الفصل بين المفسّر وخلفياته الذهنية، لكي يُقبل على كتاب الله بدون مسبقات، حرصاً على نزاهة التفسير من الاسقاطات؟ يرتبط الجواب إنسانياً بعلم تكوين المعرفة، وبما قدّمه الفكر الإسلامي والقرآني خاصة، من تكييفات.تفاوتت وجهات المفكرين في التعاطي مع هذه الظاهرة، بين من اقتصر على الوصف، ومن التزم النقد، ومن أخذ بالتفصيل. لكنّها على أي، تبقى مجرد إشارات اكتسبت أنصج صيغة لها في أعمال السيد محمد باقر الصدر عند حديثه عن الذاتية والاجتهاد، كما أطلّت برأسها في موسوعة الشيخ محمد جواد مغنية عن فقه الإمام الصادق عليه السلام، عندما تحدّث عن المنظور الاجتماعي للنص، وقارب الفكرة ذاتها لكن من حيث تأثير عوامل البيئة وما شابه في ذهنية الفقيه، الشيخ مرتضى مطهري عبر حديثه عن مبدأ الاجتهاد في الإسلام. كما هناك من دعا إلى إدخال عنصري الزمان والمكان كعاملين مؤثرين في الاستنباط، اذا لا يمكن أن يتحقّق ذلك دون أن يطال ذهنية الفقيه نفسه.
ما يهمّنا أن مناهج العلوم الانسانية والمنهج الجدلي قبل ذلك، أشبعا هذه
الظاهرة تفحّصاً وتحليلاً ودرساً. ومهما تكن الحصيلة في نطاق الفكر الإسلامى، فلا يمكن أن نهمل في نطاق الفكر القرآني تأثيرات البيئة والمنشأ الاجتماعي والتكوين النفسي والحالة السياسية واللحظة التأريخية المعيشة بشكل عام، وما تتركه على عقل المفسّر واختياراته الفكرية والمنهجية، ومن ثمَّ لا يمكن للحصيلة المعرفية أن تخرج عن نطاق مقدّماتها، دون أن تكتسب بعض صبغها وألوانها.
كثيراً ما نقرأ من أنّ على المفسّر أن يتخلى عن مسبقاته، وكثيراً ما نسمع دعوات الى عدم إسقاط الخلفيات على التفسير، والقعود بين يدي القرآن خالي الوفاض، والانفصال عن الخلفيات المعرفية وما إلى ذلك: «إنّ الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره... أن ينفض الإنسان من ذهنه كلّ تصوّر سابق، وأن يواجه القرآن بغير مقرّرات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة» (في ظلال القرآن، ج 6، ص 3730). مع رمز آخر من رموز الفقاهة والفكر، تراه يطالب المفسّر بالانطلاق من الواقع، ويستوعب حصيلة الفكر الإنساني في كلّ موضوع يدرسه «ثمّ ينفصل عن هذه الحصيلة ويجلس بين يدي القرآن... سائلاً ومستفهماً ومتدبّراً» (المدرسة القرآنية، ص 20).
السؤال الذي نطلقه عن جدّ، هل يمكن للمفسّر فعلاً أن ينفصل عن مسبقاته الذهنية وتكوينه النفسي وثقافته وخياراته وبيئته وواقعه، ليتعاطى مع القرآن هكذا خالي الوفاض؟ أساساً هل يمكن إنتاج معرفة قرآنية أو غير قرآنية، من فراغ؟ أرونا مفسّراً واحداً فعل ذلك، منذ أن انطلقت حركة التفسير قبل أكثر من ألف عام؟ ثمّ إذا أضفنا لذلك، تلك النصوص التي تدعو بإطلاق إلى فصل التفسير عن علوم اللغة والكلام والفلسفة والعرفان ومبادى‏ء العلوم الأخرى، فهل يمكن أساساً الوصول إلى التفسير نفسه؟وإذا افترضنا تحقّق مثل هذه الدعوة فعلاً، أليس في ذلك تجميد لحركة البحث ومن ثمّ صدّ عن نمو المعرفة القرآنية؟ ماذا يبقى من تفسير «الميزان» بمجلداته العشرين مثلاً، لو أسقطنا منه البحوث المعرفية والفلسفية والتأريخية وما إلى ذلك، وهل تزيد الحصيلة المتبقية عن مجلدين؟ أجل، دعنا نفصل بين ما هو تفسير عمّا هو ليس كذلك، بتسمية الأوّل تفسيراً والثاني تطبيقاً وما شابه، هذا أمر معقول. أمّا غير المعقول أن ندعو إلى الفصل التام بين المفسّر وما يعيشه من مؤثرات نفسية وفكرية وواقعية، كذلك أن نجرّد التفسير مطلقاً، من جميع مباديء العلوم. المطلوب ضربٌ من التوازن يحفظ للتفسير منطقته، لكن من دون أن يفصله عن تيار العلوم والمعارف والأفكار، وعن مناشيء الواقع وحركة الحياة..