اقتناص لحظة الخلود

الثلاثاء 28 نيسان 2020 221

اقتناص لحظة الخلود
   غسان حسن محمد
 
ان تشيرَ الى كائنٍ جمالي قَدِمَ من خلف جبل الاولمب، ليهبكَ لحظةً من سعادة تعبث بالحواس، ما كانت - تردُ على الخاطر-  في اعوام الالفية الثالثة المضطرمة بالصراعات والمآسي الانسانية التي تمضي بفأسها في سبيل تحطيم الوجود بغصنيه المعقول والمحسوس.
حتماً انها لحظة فارقة اقتنص فكرتها هيجل قديماً بتوصيفه للجمال  " ذلك الجنيّ الانيس الذي يصادفك في كل مكان"..ذلك الذي يتجلى من عوالم خفية ابدعت سرها في اديمه الذي لايشبه سواه!
في " سنتر الجامعة" وابان سنته الاولى.. طالباً في كلية الهندسة..كان " احمد" جالساً في " الكافتريا" يمارس طقسه المعتاد بتناول الاكلات الغربية..يعيش اجواءً تخرجه من عالم الكتب الادبية والفلسفية والتأريخية التي شكلت مدارات شخصيته العولمية التي كثيراً ما تصطدم باعراف وتقاليد وونواميس تقبع في مجتمع مدينته الجنوبية ذات الامتداد السومري.. يراها متخلفة قياساً الى عالمه..عالم المثال اللامدرك.
يحدث نفسه( حين ألتقي بالنساء لا ارى الا العيون.، فانا استشف الذات الواعي من لونها..ذلك اللون الذي صعقني..فتاة في اول اخضرار الغصن بقوام  كقوام عارضات الازياء..يربكني بمشيته المتهادية.، وكأنها تطأ متاهات ذاتي البوهيمية.. بدقة تعرجاته وزواياه التي يبدو انها انبنت على يد مهندس بارع لم يكن يؤمن بالزوايا القائمة..، كان يؤمن بالبحر وسحر امواجه بحركاتها المنسابة على صفحة كحوريات بحر تحترف مداعبة الوجدان..، فتاة تخطو نحو مبنى الكافتريا..رفقة بعض الفتيات.. تدلف الى المبنى..على بعد امتار ابصرتُ عينيها كزرقة السماءِ صفاءً وهدوءً وسكينة..ارتعدت فرائصي..انا الذي اخشى النساء ..كم صنعتُ امرأةً من خيال كـ"بجماليون" وبادلتها الحبَّ والغرام..امرأة من خيال يفكك عرى الواقع الذي يستحيل ان يكون كلمة في مدونة حبي). تتلقى الفتاة وصويحباتها الشطائر والعصائر من يد صبي " الكافتريا" وانا امور بنفس بدأت تضيق من هول اللحظة ..لا اعرف كيف قادتني قدماي صوب ربة الجمال التي تتحدث مع رفيقتها بلسانٍ عربي فصيح..وبنوتة مرت على " بيتهوفن" الذي أعجزها تدوينها في السلم الموسيقي لسيمفونياته الخالدات..معللاً ذلك بأن هناك نغمات ثقيلات.. فريدات..، لا يحتملها سُلَّم موسيقي..ولا يمكن تخليقها.. هكذا بزغت مع الطبيعة البكرية وهي تجذر وجوديتنا.. فمنذ البؤس الاول للانسان.. وهذه النغمات هي انيس الانفس الراقيات..لا تدركها الا أذن واعية تصدق نوايا ذاتها كما تصدق الشمس  في الاشراق.
احتدم الصراع بيني وبين ذاتي الوالهة..كيف سأكلمها..؟ 
ثمة اعراف وتقاليد ونواميس تعمل كحدِّ الموسى..اخشى ان اهزم في معركة الجمال..لكني وبعد لحظات استجمعت ما قرأت من اساطير وملاحم وارادة في تجسير الهوة بين  العواطف والاحاسيس والمشاعر.، وابتكار لحظة خالدة..توازي هكذا موقف كبير..، تقدمت نحو الفتاة ..اهديتها السلام.. وبدا لساني -على غير العادة- .. ذلقاً في التعبير:
- شكرا لكِ فقد منحتني سعادة لاتقدر بثمن.
الفتاة: لماذا؟
- جمالكِ اسرني والجمال لدي يعدل السعادة والحياة بمباهجها.
تفرست فيَّ الفتاة وقد بدأ خدها الايمن يتوهج حمرة خجلا.، والخد الاخر وكأنه صار اسود اللون..وانا في موقف لا أحسدُ عليه عما سيؤول اليه الحدث..ثلاث ثوان كانت تنظرني فيها فتاتي وكأنها ثلاثة قرون من الشدِّ والجذب بين عالم الخير والشر.. الجمال والقبح..التحضر والتخلف..الحرب والسلام..، ثنائيات ضدية اختلجت في ذاتي المغامرة.
ماذا يدور في خلد فتاتي..؟ لست ادري..، انتظر نهاية العرض المسرحي الذي كان واقعيا حدّ جفاف شفتي وارتجاف فرائصي.
انتهت اللحظة الفارقة وعادت لفتاتي قوتها العشتارية كما البرق..، عندما افتر ثغرها عن نصف ابتسامة موناليزية لاتدرك هل سعدا كانت ام حزنا وكمدا.
الفتاة: شكراً..من ذوقك.