السرد الافتراضي واشكالية الفهم

الثلاثاء 28 نيسان 2020 357

السرد الافتراضي واشكالية الفهم
  د.  نوافل الحمداني
 
السرد في أبسط تعريفاته هو تحويل الواقعة إلى ملفوظ لغوي في سياق حبكة، أي التحول من المتن الحكائي إلى مبنى حكائي له قوانينه وعناصره، وفي الأغلب تكون الواقعة متخيلة فيصبح العمل الابداعي متخيلا سرديا في إطار واقع افتراضي متخيل مواز للواقع المعروف، وهذا الواقع ليس شأننا ونحن بصدد أن نلم بـ (السرد الافتراضي) الذي مازال مسمى، ولم يتحول إلى مصطلح بعد، فغياب تعريفه أو تحديد مفهومه في كتب السرد.
ومدوناته ما يعزز معرفتنا بعدم الاصطلاح له، وقد يدعي البعض(مبالغا) وجوده وشيوعه النقدي، مع علمنا أن جيرالد برنس قد ذكر في كتابه(علم السرد الشكل والوظيفة)(السرد الافتراضي) وتُرجم إلى (السرد المفترض) أو (السرد التنبؤي)، ويعني به السرد المرتبط بالزمن الاستباقي أوالاستشرافي(المستقبلي)لكون السارد أو الراوي يفترض أو يستشرف، ماسيحدث ضمن اطار زمني لم يقع بعد، وطرح (برنس) هذا غير ما نريد تبيينه والكشف عما يزيل الالتباس فيه. 
بلا شك في أن السرد الافتراضي مرتبط بالواقع الافتراضي المنبلج عن ثورة الاتصالات والمعلومات (social media) أوالميديا عبرمواقع التواصل الاجتماعي المعروفة، ومع ما أحدثه الواقع الافتراضي من تغييرفي وعينا الثقافي والحياتي، وما جرّه من تحولات في رؤانا و سعة أفقنا، من خلال استعمالنا الشبكة العنكبوتية (النت)، حتى أصبحنا في تقبّل لهذا الواقع وتفاعل معه، على الرغم من عدم دقته – في أحيان كثيرة – عقليا و منطقيا وواقعيا، و بدا التأثير الالكتروني يأخذ مداه في الدخول إلى الأدب، فظهر التفاعلي منه مرتكزا على الحاسوب في صياغته ، ومن ثم الشعر التفاعلي أوالرقمي، والرواية حين تتحول من معطى ورقي إلى قراءة رقمية، أي تتحول من صيغة ورقية مألوفة طباعيا إلى صيغة تقرأ عن طريق وسيط رقمي هو الحاسوب.
ومع هذا فليس من وكدنا الحديث عن الواقع الافتراضي (وقد استوفته الكتابات والدراسات المعنية به) بل ما يهمنا هو ارتباط (السرد الافتراضي) به، هذا المسمى الذي نبحث له عن مفهوم ونتوخى الوقوف على حدوده وعناصره، فربما سيصبح يوما مصطلحا سرديا بعد أن يشفّ عما تحته بوضوح، ويجد قبولا عند الدارسين واستقرارا في الدلالة.
ويمكننا القول أن للسرد الافتراضي وجهين يحددان مفهومه، الأول: أن يقوم الروائي باتخاذ العالم الافتراضي (عالم الاتصالات و التواصل الاجتماعي)جزءا من حركة السرد بجعل الساردين المشاركين يتواصلون عبر(الفيس بوك)أو(التويتر) أو(الانستغرام)– باختصار توظيف النت– في حركة السرد ونموه، بحيث يكون تواصل الشخصيات الروائية عبر شبكة الاتصالات، ويكون الحوار بينهم من خلال الرسائل (المسجات)، أو استخدام الصور،وقد يغيب الزمن و طبيعة المكان و ربما حتى الوصف السردي لكون الحوار التفاعلي هو المهيمن، كما لايمكننا تحديد ملامح الشخصيات إلا بما يطرحونه عن أنفسهم ويتحدثون به، وقد يكون مايقال غير مقنع وغير واضح المعالم.
إذن فالسرد الافتراضي من هذه الناحية متأثر بشبكات التواصل وفاعليتها الحياتية، وربما سميّ افتراضيا لاقترانه بالشبكة العنكبوتية من حيث اختراقها له و تدخلها في صناعته كواحد من عناصره، ومغيرة لنمط السرد الاعتيادي المألوف، وهذا يعني أن السرد الافتراضي  يبقى مرتبطا بالواقع الافتراضي الذي خلقته الشبكة المعلوماتية التواصلية وغيرت بعض سمات السرد المعروفة، بعد أن تداخلت بعض آليات الواقع الافتراضي فيه وشكلت جزءا منه، ومن ذلك رواية (المدونة الرقمية" حب هذا العصر") للروائي العراقي حنون مجيد، التي بناها على مادة القرص (CD) الذي وجده مرميا على الارض في شارع المتنبي، و يحمل حكاية حب بين إثنين تشكلت عبر التراسل الالكتروني، ومثلها رواية (أنثى افتراضية)للروائي الاردني فادي المواج الخضير، ليجمع بين الواقعي والافتراضي بالعلاقة الشخصية التي تجسدت عبر الشاشة الزرقاء.
اما الوجه الثاني للسرد الافتراضي– وهو مازال مسمى- فيعد الأخطر في نمط سياقاته لكونه يطرح العمل الروائي بصيغة مخالفة تماما للمألوف، إذ صار الفضاء التفاعلي (الرقمي) وسيلة من وسائل السرد الروائي، حيث يقوم الروائي بنشر جزء من روايته على أحد مواقع التواصل مباشرة ويتلقى من المشاركين الآراء حولها والحوارات عنها، ومن خلال التفاعل يكتسب أفكارا جديدة تسهم في تطوير وجهة النظر عنده، وقد تغير مجرى الأحداث، وبازدياد عدد المتفاعلين تكون الرؤية مختلفة لدى الروائي أو السارد الذي أوجده، وهو بذلك قد يغيّر النهاية التي رسمها لشخصياته أو يغير من أساليب حركتها استنادا إلى تفاعل المشاركين، فقد أسهمت الشبكة في "ظهور أشكال جديدة للكتابة تتيح بشكل خاص مساهمة العديد من (الأدباء) في تأليف النص نفسه – يتلقاه كل واحد منهم، يبدله ، ويتابعه"، ولنا أن نمثل برواية الكاتب المغربي (عبد الواحد استيتو) المعنونة بـ (زهراليزا أو على بعد مليمتر واحد فقط)هذه الرواية التي أطلق عليها صاحبها الرواية الفيسبوكية لأنه كتبها على الفيس بوك، إذ نشر جزءا منها عليه ثم تلقّى آراء القراء وتفاعلهم مع النص المنشور فواصل كتابته حتى اكتملت روايته عبرحوار متدفق فاعل في تجربة فريدة جمعت المؤلف و القارئ لانتاج النص، وإن كان هذا الانتاج مجزأ على مراحل، وأخيرا لنا أن نتساءل عن مطمحنا في تحول السرد الافتراضي إلى مصطلح يتداوله النقاد السرديون؟ ولعل ذلك مرتهن بـ هل الواقع الافتراضي قادرعلى تغيير أصول اللعبة السردية(مثلما فعل بحيواتنا الطبيعية وعيا وعلاقات و.) إلى حد يثير فينا الخوف على أصولها من التبدل أوالتحول،  أو أنه حالة تعكس تشبعنا بالحياة الافتراضية التي نعيشها كجزء أصبح مهما في حياتنا الواقعية أو الطبيعية، وما الأدب أو السرد منه إلا أحد الأركان التي تفاعلت وتقبلت فطورت من سردنا الذي نغرق متمتعين بتفاصيله لنكون إلى سرعة الكترونية تختصر لنا مسافات الكتابة من الشهور إلى الأيام ومن ثم أيام  القراءة إلى ساعات؟