حكايتان!

الثلاثاء 28 نيسان 2020 182

حكايتان!
حسن العاني 
 
1 - لم أصادف إمرأة مثلها تقلّدُ اي شيء تقرأ عنه او تسمعه، متوهمة بأنها شابة عصرية وعبقرية زمانها، وزيادة على هذا كانت تباهي أمام صديقاتها وأمام خطيبها بأنها تطوّر الكثير من الأشياء التي تقرأ عنها أو تسمعها، غير أنَّ هذه السذاجة التي تتحلى بها (نجاة) ابنة الرابعة والعشرين عاماً لا يمنع من كونها إنسانة بمنتهى الطيبة، ويدها عنوان للسخاء والكرم بخلاف معظم النساء المعروفات ببخلهن على رأي عالم اجتماع هندي حاقد على المرأة!
سمعتِ الشابة نجاة إنَّ مفردة (نزول) التي يستعملها العراقيون بمنزلة الشتيمة التي تنتمي الى المزاح مرة والى المديح مرة اخرى، كأن تقول الفتاة لحبيبها في موضع الغزل او التحبب (نزول عليك... سوالفك كلش حلوه) او (نزول عليك... عيونك تخبل)... الخ، ولهذا عمدت نجاة الى إسماع خطيبها عبارة (نزول عليك..) كلما أحضر لها هدية أو أتى بموقفٍ جيد.. وقد عرفتْ بأنَّ هناك حكاية تقف وراء هذه المفردة وأصلها على حد سمعها انَّ المئات من أهالي بغداد تعرضوا الى حالة من الزكام الشديد قبل مئة سنة تقريباً، وتمّ نقلهم الى المستشفى للعلاج، وكان بعضهم يغادر بعد أقل من ساعة، وبعضهم الآخر يمكث بضعة أيام، ومن يمكث يسمى (نزيل) والجمع (نزلاء) ومنهما نزلاء السجن.. الخ، وبالتالي فإنَّ عبارة (نزول عليك) يومها دعاء على المقابل لكي ينزل في المستشفى!!
في ظل أجواء كورونا والجهود التي تبذلها الدوائر المعنية لمواجهة الوباء قدم "احمد" هدية ظريفة لخطيبته نجاة، وقد فرحتْ بها فرحاً عظيماً، وعلى عادتها في التطوير لم تقل له العبارة المعتادة (نزول عليك..) بل عبرتْ عن سعادتها على النحو التالي (كورونا عليك.. شلون هديه حلوه.. عاشت ايدك!!)
2 - بعد قصة حب طويلة تكلل انتظارهما بالزواج وانجبا ولداً وبنتين ولعلهما كانا محسودين.. فعلى الرغم من مرور (16) سنة على زواجهما مازالت علاقات الحب والود والتفاهم قائمة بينهما، وهو أمر نادر الحدوث... الأمر الذي لاحظته الزوجة (أم ايهاب)، ان زوجها في الاونة الاخيرة بات يتغيب كثيراً عن البيت، وبما أوتيت من رجاحة عقل وميل متطرف الى المرح والدعابة، حاولت لفت نظره بأكثر الوسائل (تدليلاً ومرحاً ورقة) الى وضعه الجديد، وإنه لم يعد يلتفت اليها والى أبنائه والى البيت حيث يقضي اطول وقت في النادي او المقهى او سهرة عند هذا الصديق او ذاك.. ولكن من دون جدوى..
(كورونا العظيمة) - هكذا وصفتها مع نفسها سخرية – وحدها التي اجبرته على ملازمة المنزل، ومع تحوطاتها الكبيرة والمتعبة لمواجهة هذا الوباء الخبيث، الا انها في سرها كانت سعيدة لبقائه في المنزل قبل أنْ تبدأ تلك السعادة بالتراجع، فالرجل لم يترك صغيرة ولا كبيرة من شؤون الأسرة والمنزل إلا ودسّ أنفه فيها اعتراضاً أو تنبيهاً أو تأنيباً، حتى انه اعترض على لون الستائر ناسياً أنه هو من اشتراها بمعرفته وذوقه، وهو الأمر الذي فجر ينبوع الدعابة الخامد في أعماقها، فرفعت يديها الى السماء داعية (يا الهي لو تاخذني وتريّح هذا الرجال مني.. لو تأخذه وتخلصني منه.. لو تكفينا شر الكورونا حتى يرجع للنادي والسهر خارج البيت!!) وضحكا كما لم يضحكا من قبل...